النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: توقع الأسوأ أفضل من الغرق في الأحلام

  1. #1
    مراقب عام المنتدى
    تاريخ التسجيل
    28 - 9 - 2008
    الدولة
    الإمارات-رأس الخيمة- الرمس
    المشاركات
    12,676
    معدل تقييم المستوى
    383

    توقع الأسوأ أفضل من الغرق في الأحلام

     

    -






    بين جبروت التفكير السلبي وقوة التفكير الإيجابي
    توقع الأسوأ أفضل من الغرق في الأحلام


    *جريدة الاتحاد





    التركيز على هدف واحد دون غيره يُلحق بصاحبه أضراراً جانبية (أ ف ب)




    هشام أحناش:


    يبدو أن الجهود المضنية التي يبذلها كثير من الناس جرياً وراء تحقيق السعادة تأتيهم بنتائج عكسية، وتجعل عدداً منهم أكثر تعاسة. كثيرة هي المجلات والمؤلفات والمنشورات الورقية والإلكترونية التي تنصح بـ«التفكير الإيجابي»، وهي النصيحة ذاتها التي أسداها الكاتب نورمان فينسنت بيلي إلى العالمين قبل ستة عقود في كتابه «قوة التفكير الإيجابي».


    ومن بين ما ينصح به بيلي أنه في العطلات ينبغي بذل جهد إرادي للحديث عن أي شيء لم تجد الوقت للحديث عنه في سابق الأيام. وهو يرى أنه كلما حاول الإنسان جاهداً التفكير في شيء ما ونسيان شيء آخر، وجد صعوبة في التوقف عن التفكير في الشيء الذي يرغب في نسيانه، فيتجاذبه تياران، الأول يميناً في اتجاه التفاؤل والتفكير الإيجابي الوردي، والثاني شمالاً في اتجاه التشاؤم والتفكير السلبي.


    تجد الفلسفة الإيجابية لبيلي صدى عميقاً في الثقافة الأميركية خصوصاً، والغربية بشكل عام، ليس فقط عند الرغبة في قضاء العطلات أو التعاطي مع المواقف الاجتماعية المختلفة، لكن أيضاً في الاقتصاد والسياسة وغيرهما. ولكن بعض الدراسات تشير إلى أن الأحاديث الإيجابية القوية التي يُحدث بها الإنسان نفسه لرفع معنوياته عبر تكرار تصور النجاح في خطواته الآنية وخططه المستقبلية لا تؤتي ثمارها المرجوة إلا نادراً، وغالباً ما يحصل عكس ما هو مأمول.


    ولحسن الحظ، فإن الفلسفة القديمة وعلم النفس المعاصر يشيران كليهما إلى مقاربة معاكسة للحدس يمكن أن نصطلح عليها «الطريق السلبي إلى السعادة». وتُساعد هذه المقاربة على شرح بعض الالتباسات وتفسير بعض الألغاز من قبيل سبب كون مواطني الدول الأقل أماناً اقتصادياً يرفلون في سعادة أكبر من تلك التي يعيشها مواطنو البلدان الأكثر غنى، أو كون كثير من رواد الأعمال الناجحين يرفضون فكرة وضع أهداف ثابتة.


    ومن بين الرواد المبشرين بـ «الطريق السلبي» الطبيب النفساني من نيويورك ألبرت إليس الذي وافته المنية سنة 2007. وقد أعاد ألبرت اكتشاف ملمح محوري من الفلسفة الرواقية التي ظهرت بضع قرون قبل الميلاد على يد فلاسفة يونانيين ورومانيين، والقائمة على الاستسلام التام للقدر عن رضا واختيار. ويرى ألبرت أن أفضل طريقة للتعامل مع مستقبل غير مطمئن هو التركيز ليس على السيناريو الأحسن الذي قد يحدث، وإنما على أسوأ ما يمكن أن يقع.


    وقد كان للفيلسوف والمفكر الروماني سينيكا نظرة راديكالية إلى هذا النوع من التعاطي مع المستقبل. وهو يرى أن النصيحة التي يمكن إسداؤها لمن يخاف من خسارة ثروته هي «ضعْ عدداً محدداً من الأيام التي يمكنك خلالها أن تصبح راضياً بالعيش بأقل وأزهد ما يمكن، فتسكن الشقة بدل الفيلا وتفترش الحصير بدل السجاد الوثير وترتدي الخشن من الثياب وتركب الحافلة بدل سيارتك الفارهة، واسأل نفسك «هل هذه هي الحياة التي كنت أخشاها؟»

    * * *


    التشاؤم الدفاعي


    يقول إليس إن مجرد التفكير الواعي في تفاصيل أسوأ السيناريوهات التي يمكنها أن تحدث، وهي تقنية يصطلح عليها الفلاسفة الرواقيون بـ«التأمل الاستباقي للشرور»، من شأنه المساعدة على إعفاء التفكير المستقبلي من إنتاج طاقة قلق وتوتر.


    وتقول العالمة النفسانية جولي نوريم إن نحو ثلث الأميركيين يستخدمون هذه الاستراتيجية بشكل فطري وحدسي. وهي تصطلح على هذه الاستراتيجية «التشاؤم الدفاعي». وينحو التفكير الإيجابي كما هو معروف منحى نقيضاً لهذا، إذ يقوم على بذل جهد لإقناع النفس بأن الأمور كلها ستكون على ما يرام، ما يقوي الاعتقاد بأنه في حال حدث غير المتوقع والمأمول، فإن وقْع ذلك على نفس المرء يكون ثقيلاً وشديداً.


    وفي الشركات والمؤسسات الأميركية، يبدو أن المذهب الأكثر قبولاً على نحو واسع في التفكير الإيجابي هو أهمية وضع أهداف كبرى وطموحة للمؤسسة، والعمل في الوقت نفسه على تشجيع الموظفين على وضع أهداف خاصة تكون محددة وقياسية وقابلة للتحقيق وذات صلة بمجال عمل المؤسسة ومؤَطرة بموعد زمني، أي أهداف ذكية (SMART) كما اصطلح عليها الدكتور جورج دوران في مقال نشره سنة 1981م.


    لكن ماذا لو بدأ الإجماع حول وحدة الهدف الاستباقي يتهاوى ويتبدد لدى موظفي المؤسسة؟ في دراسة سابقة أجرتها ليزا أردونييز وزملاؤها، طُلب من المشاركين تكوين كلمات من حروف عشوائية، كما يحدث في لعبة السكرابل. وقد أتاحت لهم هذه التجربة الإبلاغ عن التقدم الذي يحرزونه دون كشف أسمائهم. ولاحظ الباحثون أن أولئك الذين وُضع لهم هدف محدد لوصوله كذبوا بشأن النتائج التي حققوها والتقدم الذي أحرزوه، هذا في الوقت الذي كان الأشخاص الذين طُلب منهم فقط بذل ما في وسعهم أكثر صدقاً في الإبلاغ عن نتائجهم والتقدم الذي حققوه.


    ومن هذا المنطلق، ترى ليزا أن وضع الأهداف قد يؤدي أحياناً إلى تحقيق نتائج متدنية وأقل من التوقعات. ويقول فريق من الباحثين الاقتصاديين إن كثيراً من سائقي تاكسيات نيويورك يحققون عوائد مالية أقل في الجو المطير لأنهم يتوقفون عن العمل بمجرد وصولهم إلى الهدف المبتغى المرسوم في أذهانهم حول ماهية يوم جيد من حيث مردوده المالي.


    ولذلك، فإن التركيز على هدف واحد على حساب بقية العوامل الأخرى يمكن أن يشوش ويؤثر على مهمة المؤسسة أو الحياة الفردية للشخص، كما يقول كريستوفر كييز، أستاذ مشارك في كلية إدارة الأعمال بجامعة جورج واشنطن في واشنطن دي سي الذي له باع طويل في دراسة المتابعة اللاحقة للأهداف.


    * * *


    مليونير في 40


    يقول كييز إنه لا يزال يتذكر أن أحد التنفيذيين أخبره ذات مرة أن الهدف الذي وضعه نصب عينيه عند شقه طريقه المهني هو أن يصبح مليونيراً عند بلوغ 40 سنة. وقد حقق ذلك بالفعل، لكنه وجد نفسه بالموازاة مع ذلك مطلقاً من زوجته ويعاني مشاكل صحية شتى وغير قادر على التواصل مع أبنائه بسبب مقاطعتهم الحديث معه.



    ويرى كييز أن تركيزنا الكبير على هدف بحد ذاته وتجنيد كل الحواس والجوارح والجهد والوقت لتحقيقه مع تحييد الاهتمام بأهداف الحياة المعيشة الموازية يؤدي لا محالة إلى خسائر، ناهيك عن جعل صاحب الهدف ينتابه شعور عميق بعدم الارتياح للأضرار الجانبية التي ترافقت مع تحقيقه لهذا الهدف وعدم اليقين بصوابية ما قام به.


    ويُشاطر «كييز» هذا الرأي العديد من الباحثين والعلماء، منهم ساراس ساراسفاثي، أستاذة مشاركة في كلية إدارة الأعمال بجامعة فيرجينيا. وهي ترى أن تعلم تأثيث المشاعر ببعض الشكوك لا يوصل فقط إلى حياة أكثر توازناً وواقعية، بل أيضاً إلى رفاهية أكثر. وكانت ساراس قد قابلت 45 شخصاً من رواد الأعمال كل واحد منهم يُدير ما لا يقل عن عمل تجاري واحد، فلم تجد أي واحد منهم يتبع منهج صياغة الخطط الشاملة المتكاملة للمشروع الذي يديره، أو يُجري دراسات بحثية واسعة عن السوق الذي يستهدفه!


    وهم يقومون بدلاً من ذلك بما تصطلح عليه الدكتورة ساراسفاثي «التفعيل والتنفيذ». فعوضاً عن اختيار هدف معين ووضع خطة خاصة به من أجل تحقيقه، يأخذ معتنقو هذه المقاربة الوسائل والأدوات التي يملكونها، ثم يتصورون النهايات المحتملة للقرارات التي تمخضت عنها أفكارهم، باستخدام الأدوات التي بحوزتهم فقط.


    وتشمل هذه المقاربة كذلك ما تصطلح عليه ساراسفاثي نفسها «مبدأ الخسارة المتاحة». وهو يقوم على التساؤل عن حجم الخسارة في حال الفشل في تحقيق الهدف مع بقاء المشروع صامداً، بدلاً من التركيز على إمكانية جني أرباح عظيمة من مجازفة أو مقامرة أو رهان تؤدي خسارته إلى القضاء على المشروع نهائياً (الإفلاس). وترى ساراسفاثي أنه إذا قام الشخص بهذه الحسبة ووجد أن الخسارة المحتملة، في حال وقوعها، يمكن تجاوزها والتعافي منها بسهولة، فعليه أن يمضي فيها قدماً ثم يتخذ الخطوة التالية.

    * * *



    طريق واقعي


    قد لا تكمن القيمة الحقيقية لـ«الطريق السلبي» في دوره في تسهيل انسياب العواطف الإيجابية أو حتى تحقيق النجاح نفسه، بقدر ما تكمن ببساطة في التحلي بالواقعية. فالمستقبل يظل مفتوحاً على جميع الاحتمالات دوماً، وليس في الظروف الاقتصادية الصعبة فقط كهذه التي نعيشها حالياً. وفي نهاية المطاف، فإن الأشياء تسير جيداً كما قد تسوء. لكن توق الإنسان اللاشعوري إلى قطع الطريق على المفاجآت غير السارة التي قد تصادفه مستقبلاً، وسعيه إلى التصدي الاستباقي لها هو الذي ينغص حياته ويجعلها تعيسة.


    وكما قال الراحل ستيف جوبز «تذكرك الموت هو أفضل طريق ينأى بك عن السقوط في فخ التفكير بأن لديك شيئاً تخسره». فهل هذا يعني أننا نكسب غنيمة نفسية ومعنوية كلما تذكرنا الموت وتابعنا بانتظام أخبار المتوفين؟ يبقى ذلك، في نظر كثيرين، سؤالاً فلسفياً طويلاً عريضاً.


    وسواءً اتفقنا أم اختلفنا مع موقف الكاتب الأميركي وودي آلن من الموت، فإن هناك الكثير مما يمكن فعله لمضاعفة فرص العيش أطول، لكن ليس هناك مفر ولا ملاذ من الموت إلا إليه. ورسوخ الحقيقة الكونية بأن مآل كل إنسان إلى وفاة وكل شيء إلى زوال يجعلنا نُوقن بأن هناك وقائع لا يمكن لأعتى دعاة التفكير الإيجابي وقوة الجذب الكوني أن يغيروها!



    عن «وول ستريت جورنال»
    التعديل الأخير تم بواسطة مختفي ; 18 - 2 - 2015 الساعة 11:52 PM
    ..

    ..




ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •