|
|
الحلقة 8 من "السراب" .. الإخوان المسلمون.. من مصر إلى العالم وراء "وهم الخلافة"
![]()
24 - أبوظبي
أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.
الحلقة الثامنة
الباب الثاني: حــالات تــطــبــيــقــيـــة
الفصل الثالث: الجماعات الدينية السياسية
الإخوان المسلمون الانتشار في الداخل والخارج
ثانياً: الانتشار في الداخل والخارج
تبنى حسن البنا استراتيجية متدرجة لنشـر فكر الجماعة، فركز في البداية على المجال الديني والدعوي، حتى يضمن انتشار فكر الجماعة بين فئات المجتمع المختلفة، وتحقق له ما أراد، فقد انتشـرت جماعة الإخوان المسلمين في مختلف أنحاء مصـر والعالَمين العربي والإسلامي خلال بضع سنوات فقط، وقد كان لها وجود رئيسـي في معظم المدن المصـرية وفي بعض الدول العربية والإسلامية، وفي العقد الأول من عمرها كان لها 215 فرعاً في مصـر، وفي أواخر الأربعينيات بلغ عدد شُعب الجماعة في المدن والقرى المصـرية نحو ثلاثة آلاف شُعبة. لقد كان حسن البنا يقوم بالتجوال في مختلف مناطق البلاد، حتى يقال إنه زار الآلاف منها، وألقى الخطب والدروس والمواعظ حتى في المقاهي والحانات، فضلاً عن استغلاله الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك، حيث ساعده ذلك على استقطاب عدد كبير مـن الأتبـاع، خاصـة مـن العمال والفلاحين، أكثر الطبقات معاناة في تلـك الفترة.
علاوة على ذلك، تمكنت الجماعة من تقديم نفسها كبديل للاتجاهات المدنية التي كانت تطالب بتطبيق أنماط الحياة الغربية وروّجت الجماعة على أنها قادرة، من خلال الدين، على تقديم حلول للقضايا العقائدية، كما الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، واستغلت في ذلك التدين الفطري للتغلغل في فئات المجتمع المختلفة.
استغلال الإعلام
وما من شك في أن استغلال الجماعة لوسائل الإعلام المتاحة ساعدها بشكل كبير على التمدد بشكل أفقي واسع، ففضلاً عن الإعلام المباشـر من خلال الدروس وغيرها، أصدرت الجماعة جريدة "الإخوان المسلمين" عام 1933م وكذلك مجلة "النذير" عام 1938م التي اهتمت بشكل خاص بقضايا العالَمين العربي والإسلامي، كما فُتحت العديد من الصحف والمجلات المحلية لكتابات البنا، مثل مجلتي "المنار" و"التعارف" وصحيفتي "الفتح" و"الأمانة".
وبعد الانتشار الواسع والسـريع في المناطق المصـرية، بدأت جماعة الإخوان المسلمين تنشـر فكرها خارج البلاد، حيث لاقت الدعوة صدى كبيراً بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها الشعوب العربية والإسلامية عقب الحقبة الاستعمارية، وسعى حسن البنا إلى إقامة علاقات مع الجماعات والتنظيمات الإسلامية في العديد من الدول العربية والإسلامية، ليؤكد بذلك أن صفة العالمية من بين أهداف الجماعة، استناداً إلى دعوات استعادة الخلافة الإسلامية، وهذا ما اتضح في أول قانون للنظام الأساسـي للإخوان المسلمين الذي أكد عالمية دعوة الإخوان المسلمين. وأنشأت الجماعة لها فروعاً في العديد من هذه الدول، بل نشأت فروع موالية تنظيمياً لجماعة الإخوان المسلمين تروج لها في العديد من الدول العربية والإسلامية. كيف لا وقد جعلت الجماعة شعارها "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، وهي مبادئ تمس ضمير كل مسلم، ولا يوجد حولها في الأساس خلاف كونها تمس العقيدة مباشـرة، ولكن قبل أن تتحول فيما بعد إلى شعارات استغلت من قبل الجماعة لتحقيق غايات فئوية أو حتى مصالح شخصية ضيقة.
وتعتبر الجمهورية العربية السورية من أول الأقطار العربية التي انتقل إليها فكر جماعة الإخوان المسلمين، وتُرجع بعض الكتابات نشأتهم هناك إلى عام 1935م على يد مجموعة من طلبة الجامعات السوريين. ومن ثم انتشـرت في السودان في عام 1936م. وفي المملكة الأردنية الهاشمية دخلت جماعة الإخوان المسلمين عام 1945م عن طريق عبداللطيف أبو قورة، الذي تعرف إلى فكر هذه الجماعة من خلال جريدتها "الإخوان المسلمين" التي كانت تهتم بالقضية الفلسطينية، وتم افتتاح المقر الرئيسـي لها في عمّان عام 1945م، برعاية الملك عبدالله بن الحسين نفسه، الذي أبدى إعجابه بالدعوة، على أمل أن يكون فيها خير للأمة الإسلامية. وفي الكويت تم تأسيس شعبة لجماعة الإخوان المسلمين عام 1947م، على يد عبدالعزيز العلي المطوع وعبدالله العلي المطوع، اللذين ينتميان إلى عائلة "القناعات" التي تعد من العائلات الكويتية المعروفة، بعد لقاء عبدالعزيز المطوع البنا في القاهرة حيث كان يدرس.
الخليج العربي
وعلى الرغم من تخوف الكويتيين من سيطرة التيار الديني على حياتهم، خاصة وهم يشاهدون ما كان الإسلاميون يفعلونه في بلاد مجاورة لهم فضلاً عن الانطباع السلبي لمسمى الإخوان المسلمين الذي يثير لديهم ذكريات هجوم "الإخوان" من القبائل المهاجرة في شبه الجزيرة العربية على الكويت في 28 يناير عام 1928م، فقد انتشـرت دعوة جماعة الإخوان المسلمين، وتم في عام 1952م إشهار "جمعية الإرشاد الإسلامية" قانونياً كواجهة اجتماعية للجماعة هناك. وقد تزامن ذلك مع توافد عدد من الإخوان المسلمين من مصـر ودول إسلامية أخرى إلى دولة الكويت للعمل، ومن اللافت للنظر أن العضوية في شعبة الإخوان المسلمين بالكويت كانت مفتوحة حتى لغير الكويتيين، فاستغلت الجماعة ذلك، ودفعت بأعضائها الوافدين للعمل في سلك التعليم. وفي عام 1991م، تم تأسيس الحركة الدستورية الإسلامية "حدس" لتكون واجهة سياسية للإخوان المسلمين في الكويت، ومنذ ذلك التاريخ أصبح للجماعة وجود فاعل ومؤثر في الكويت. وفي تونس ترجع بدايات الحركة إلى أواخر الستينيات تحت اسم الجماعة الإسلامية، وكُشفت أوائل اجتماعاتها السـرية عام 1972م. وفي باكستان تعود بداية النشأة إلى عام 1947م، حيث كانت هناك اتصالات بين البنا ومحمد علي جناح رئيس باكستان المستقلة آنذاك لتوّها عن الهند.
أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فلم تكن بداية جماعة الإخوان المسلمين تختلف كثيراً من ناحيتي التأسيس أو الفكر عن الجماعة الأم في مصـر. ولقد أخذ تطور نشاط الجماعة في دولة الإمارات العربية المتحدة عدداً من الأوجه، كان أولها على شكل تنظيم حركي يروج لأفكار دينية محافظة، ثم تحول إلى شكل مغاير يتصف بالمبادرة الناشطة للتأثير في الدولة والمجتمع لمصلحة قناعاته وانحيازاته الأيديولوجية والعقائدية، ووصل في نهاية المطاف إلى حالة من الصدام مع الدولة والمؤسسات. وفي البداية كان التمدد والانتشار والتأثير، حيث يقول باحثون إن قطر كانت نقطة انطلاق جماعة الإخوان المسلمين باتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً إمارة دبي، حيث استهل فرع جماعة الإخوان المسلمين في دولة الإمارات العربية المتحدة عمله وقتذاك في مقر البعثة التعليمية القطرية في دبـي التي أسسهـا عبدالبديع صقر، وكان يشـرف عليها خلال رحلاته الكثيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وعين لها مشـرفين سوريين وفلسطينيين من الإخوان المسلمين، وكان الدكتور يوسف القرضاوي يساعد صقر في الإشـراف على فرع جماعة الإخوان المسلمين عند تأسيسه في دبي عام 1974م، وقد حمل هذا الفرع اسم "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي"، وكانت تلك الجمعية على صلة وثيقة بقيادات الإخوان المسلمين في مصـر، وتغلغلت في المجتمع الإماراتي وقتذاك، واستغلت تأثيرها القوي في العملية التعليمية. ووظفت الجماعة أيضاً الأنشطة المتسترة بالتثقيف والوعظ والتوعية الدينية وإلقاء المحاضـرات، لكن هذه الأساليب كانت ستاراً لنياتها الحقيقية المتمثلة في تجنيد عناصـر جديدة تؤمن بفكر جماعة الإخوان المسلمين، خاصة في فئة الشباب، وذلك كتكتيك مرحلي بهدف تحقيق الأهداف الاستراتيجية للجماعة على المدى البعيد.
وينقل منصور النقيدان عن محمد عبدالله الركن، وهو من أوائل المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، قوله إن بعض الطلبة الإماراتيين الدارسين في دولة الكويت وقتذاك كانوا يرغبون في تأسيس جمعيات ومؤسسات تربوية مشابهة لنظيرتها الكويتية داخـل دولـة الإمـارات العربيـة المتحدة؛ ولذا فقد أسسوا "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي" عام 1974م في دبي. كما نجح هؤلاء الطلاب في كسب التأييد لدعوتهم من بعض الوجهاء ورجال الأعمال وعلمـاء الديـن.
وبعد تأسيس "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي"، نشطت كوادر جماعة الإخوان المسلمين عبر قطاع التعليم، من خلال المساهمة في صياغة مناهج التعليم، والسيطرة على النشاط الطلابي. وفي هذا الشأن يشير منصور النقيدان إلى أن "جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي" عملت منذ تأسيسها على استقطاب الطلاب والناشئة واستهداف مؤسسات التعليم، واستحوذ أعضاء الجمعية على الأنشطة الطلابية الكشفية والمراكز الصيفية. ومع بداية عقد الثمانينيات سيطر الإخوان المسلمون على قطاع التعليم العام وإدارة المناهج والتأليف في وزارة التربية والتعليم والجامعات الحكومية، وفي عام 1988م أصبحوا طرفاً مؤثراً في المؤسسات التعليمية بدولة الإمارات العربية المتحدة.
حلم الخلافة
وحينما بدأت موجة الاحتجاجات والاضطرابات في عام 2011م، وفازت جماعة الإخوان المسلمين في جمهورية مصـر العربية في انتخابات الرئاسة عام 2012م، توهمت عناصـر الجماعة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكثير من نظرائهم من عناصـر الجماعة وقياداتها في دول العالم، أن حلم إقامة الخلافة قد بدأ في التحقق ومن ثم كشفوا عن وجههم الحقيقي وانخرطوا في مؤامرة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار في الداخل، لكن السلطات الإماراتية نجحت في كشف أبعاد هذه المؤامرة في عام 2012م، وتصدت لفكر الإخوان المسلمين، وكشفت عن الأهداف الحقيقية لعناصـر جماعة الإخوان المسلمين في الداخل، التي ترتبط بشكل وثيق بالتنظيم الأم في جمهورية مصـر العربية، فضلاً عن ارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وتجاوزها للولاء الوطني عبر التزام أعضائها ببيعتهم للمرشد العام للجماعة، والسعي إلى تحقيق أهداف التنظيم، وخدمة مصالحه متجاوزة مبادئ الوطنيـة واستحقاقات المواطنة.
وهذا يتوافق مع مضمون وثيقة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، التي صدرت في يوليو 1982م، وهي لا تقر مبدأ الولاء الوطني، وإنما تؤسس للولاء للجماعة أو التنظيم الدولي (أو المرشد العام رأس هذا التنظيم في التحليل الأخير). فتنص اللائحة الداخلية للتنظيم على أن:
الإخوان المسلمين في كل مكان جماعة واحدة، يجمعها النظام الأساسـي، وأهدافها تحرير الوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان غير إسلامي وقيام الدولة الإسلامية.
كما تشير اللائحة إلى أن كـل تنظيـم قُطـري هو جـزء مـن التنظيـم الدولـي للإخـوان المسلمين، وأن مراقب التنظيم يعطي البيعـة للمرشد العـام في جمهورية مصـر العربيـة.
وفي بقية دول الخليج العربية تعود بداية العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين إلى الثلاثينيات من القرن الماضـي، حيث كان هناك اتصال بين البنا ومسؤولين سعوديين أدى فيما بعد إلى فتح أبواب المملكة العربية السعودية أمام أعضاء الجماعة للعمل، خاصة في مجالات التربية والتعليم، وتوافد أعضاء الجماعة بشكل كبير على المملكة بعد المواجهة مع نظام الرئيس المصـري الأسبق جمال عبدالناصـر في منتصف الخمسينيات، وعلى بقية دول الخليج العربية الأخرى تباعاً وانتشـرت الدعوة فيها بشكل متفاوت، ولكنها لم تأخذ صفة التنظيم الرسمي في منطقة الخليج العربي بشكل عام، ومع ذلك ظهرت بشكل واضح وتمددت من خلال واجهات خيرية واجتماعية. وفي البحرين على وجه الخصوص، وبالرغم من عدم معرفة بداية انتشار دعوة الإخوان المسلمين هناك، تأسست أول جمعية تحمل فكر الإخوان المسلمين عام 1941م، باسم "نادي الطلبة". وفي اليمن، وبالرغم من الاتصالات الباكرة بين قيادات الإخوان المسلمين في مصـر ورموز دينية يمنية، ظهر العمل الإسلامي المنظم عام 1959م على يد مجموعة من الطلبة أبرزهم عبدالمجيد الزنداني.
كما أبدت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها عام 1928م اهتماماً كبيراً بالوجود في المملكة العربية السعودية، نظراً إلى ما تمثله من مكانة روحية وجغرافية، حتى إن حسن البنا مؤسس الجماعة كان يقوم منذ أواخر العشـرينيات من القرن الماضـي بأداء فريضة الحج، ونجح في استغلالها في تعزيز روابطه بأعيان الحجاز الذين أكّدوا دعمهم له.
السعودية
وفي فترة حكم الرئيس المصـري الأسبق جمال عبدالناصـر، وتحديداً منذ منتصف خمسينيات القرن الماضـي، اتجه عدد كبير من عناصـر الإخوان المسلمين إلى المملكة العربية السعودية هرباً من الملاحقات الأمنية، ونجحوا في التغلغل في المجتمع السعودي، مستغلين في ذلك الدعم الذي قدمته المملكة لهم آنذاك، وكان نتيجة تلك الظروف بروز قادة جدد للإخوان المسلمين في المملكة العربية السعودية، خاصة في الجامعات والمؤسسات التعليمية، والجمعيات الخيرية.
وطوال هذه السنوات نجح الإخوان المسلمون في المملكة العربية السعودية بأن يكون لهم وجود مؤثر، وحاولوا توظيف الأحداث الإقليمية التي جرت بداية عام 2011م، في المطالبة بضـرورة تعزيز المشاركة الشعبية والحريات العامّة وقواعد الشّفافية والمحاسبة والمساءلة وسيادة القانون، وإقامة دولة مدنية تؤمن بمبادئ الديمقراطية وقيمها، متجاوزتين في ذلك خصوصية المملكة العربية السعودية الدينية. وهذا الأمر كان سبباً في تفاقم التوتر مع السلطات، وتأزيم وضع عناصـر الإخوان المسلمين داخل المملكة العربية السعودية، التي أعلنت في شهر مارس 2014م جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً ضمن أول قائمة من نوعها تضم عدداً من المنظمات داخل المملكة وخارجها.
وبشكل عام، تواجه جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي للمرة الأولى منذ عام 1928م، رفضاً شعبياً ورسمياً عربياً وإسلامياً واسعاً، حيث باتت الجماعة تجابه بنبذ مجتمعي، وحظر قانوني رسمي في دول عدة منها جمهورية مصـر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، فضلاً عن المعارضة العلنية لنشاطها في دول مثل المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
وفي المغرب العربي حاولت جماعة الإخوان المسلمين منذ السنوات الأولى تأسيس فروع لها هناك، فأنشأت في عام 1937م شعبتين في المغرب الأقصـى إحداهما كانت في فاس وكان مندوبها محمد بن علال الفاسـي، والأخرى كانت في طنجة وكان مندوبها أحمد بن الصديق، ولكن الاحتلال الفرنسـي قام باعتقال قيادييها البارزين من أمثال الفاسـي، ما أدى إلى انحسار الجماعة وتوقف انتشارها. وعقب ذلك نشطت الجماعة من جديد في الستينيات على يد الدكتور عبدالكريم الخطيب، رئيس البرلمان المغربي عام 1965م، حيث وفر للجماعة غطاءً سياسياً عبر تأسيس الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية عام 1967م، التي تغير اسمها عام 1998م إلى حزب العدالة والتنمية بعد اندماج أفراد من حركة الإصلاح والتجديد فيها.
وبعد انتشارها في معظم الأقطار العربية والعديد من دول العالَمين العربي والإسلامي، بدأت دعوة الإخوان المسلمين تنتشـر في الغرب مستغلة بيئة الحرية المتاحة في دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كما انتشـرت في بعض الدول الآسيوية، وتوجد الجماعة الآن في نحو 72 دولة حول العالم.
"أستاذية العالم"
لم يكن توجُّه الجماعة إلى الخارج منعزلاً عن الهدف الأساسـي من قيامها، بل يأتي كمرحلة أساسية في إطار سعيها كهدف أخير إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية. فالخلافة في نظر البنا شعيرة دينية ورمز لوحدة العالَمين العربي والإسلامي، بل الأهم تحقيق ما سماه البنا "أستاذية العالم". لذا فالوحدة الإسلامية في إطارها المتمثل في الخلافة تعد من الأصول الفكرية الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنها على عكس بعض الجماعات كحزب التحرير مثلاً، الذي يؤمن بالتغيير من الرأس إلى القاعدة - أي بتغيير الراعي لإصلاح الرعية - ترى أن يتم ذلك بالتدرج ومن القاعدة إلى القمة، ولذلك اتسمت أهداف الإخوان المسلمين بطبيعتها المرحلية، وانتشارها التدريجي بحسب الظروف الداخلية القائمة والبيئة الدولية السائدة، وربما يعد ذلك أحد مكامن خطورتها ومقدرتها على التسلل إلى الوعي الجماعي للشعوب عبر آليات التنشئة الاجتماعية والتربوية.