الحلقة 15 من السراب| الجماعات الدينية السياسية: السلفيون النشأة والتطور
![]()
24 - أبوظبي
أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.
الحلقة 15
الباب الثاني: حالات تطبيقية
الفصل الرابع| الجماعات الدينية السياسية: السلفيونظهرت السلفية كغيرها من التيارات والدعوات والجماعات الإسلامية، لتجد نفسها في مقارنة تاريخية بين الماضـي الإسلامي وقوته (من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشـر الميلادي)، والحاضـر الذي يعيشه العالَمان العربي والإسلامي، وما يتسم به من ضعف ووهن وتراجع واضح في مكانة الدول العربية والإسلامية والمسلمين بشكل عام، ومن هنا، ظهرت رغبة قوية وواضحة في الرجوع إلى القوة التي كان عليها المسلمون، وقد تمثل ذلك في مشـروع إحياء دولة الخلافة عند الإخوان المسلمين، والعمل على تنقية الدين الإسلامي مما دخل عليه من بدع وشوائب على مستوى الممارسة، والعودة بهذا الدين إلى أسسه الصحيحة كما يشار في أدبيات الدعوة السلفية. ونصـرة الإسلام و"الجهاد ضد الكفار"، على اعتبار أن الجهاد رفع شأن أمة الإسلام والمسلمين وأن تركه أذلهم، كما هي الحال في عقيدة تنظيم القاعدة، وغيره من التنظيمات الجهادية.
علاوة على ذلك، فقد شهد العالَمان العربي والإسلامي الكثير من مظاهر الضعف والتراجع والوهن؛ ما أدى إلى خضوع أجزاء كبيرة منهما لاحتلال أجنبي بداية من القرن التاسع عشـر الميلادي. وبلغ الأمر ذروته في عام 1924م بسقوط الخلافة، وتلا ذلك قيام مصطفى كمال (أتاتورك)، بتغيير كل الرموز التي تشير إلى الثقافة والهوية الإسلامية في تركيا، فعمد إلى إلغاء قوانين الشـريعة الإسلامية، ومنع لبس الحجاب للمرأة، كما ألغى الأوقاف الإسلامية، وقرر أن تكون كتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية بدلاً من الحروف العربية... إلخ. ويقول حسن حنفي موضحاً تلك المرحلة: نشأ الإصلاح الديني بدافع سياسـي، تمثل في ضعف الخلافة العثمانية، واحتلال أراضـي الأمة وتجزئتها، وتخلفها عن المدنية الحديثة، وقهرها على الرغم من نظام الملة، ومركزيتها الشديدة؛ ما شجع على استقلال الأمصار ورغبتها في الانفصال؛ وبروز أطماع الشـرق والغرب في ممتلكات الرجل المريض، ورغبة بعض الأمصار في وراثتها مثل مصـر في عصـر محمد علي ثم بعد سقوط الخلافة عام 1924م.
ويشخص أحد الباحثين تلك المرحلة على أنها مثلت مرحلة المواجهة بين عالم إسلامي يعاني التخلف وينهكه الفساد والاستبداد، وعالم أوروبي تتحرَّك في ركابه حضارة مادية متطورة؛ وليدة ثورة صناعية، وأخرى سياسية واجتماعية وثقافية وفكرية. إثر هذا الصدام حاول العالَمان العربي والإسلامي أن يخرجا من جمودهما ويطردا عنهما الجهل، ليستأنفا مسيرتهما الحضارية، وهكذا عبرت التيارات الإسلامية على اختلاف اتجاهاتها عن رغبتها في النهوض والتغيير ومواجهة تحديات العصـر.
مقومات النهوض
أدى تراجع المسلمين إذاً إلى رد فعل قوي معاكس بشكل عام، يبحث عن أسباب التراجع ويدعو إلى التمسك بمقومات النهوض. وكما يذكر بعض الباحثين فإنه في مواجهة هذا التحدي الجديد: تحول العالَمان العربي والإسلامي المهددان بالتهميش، نحو شكلين [نمطين] من الاستجابة: الميل نحو التغريب (أو الفَرْنجة) عبر اتخاذ سلسلة من التدابير الإدارية سعياً وراء التموضع في مستوى أوروبا، هذا من جهة، والنزعة الإصلاحية الهادفة إلى تجديد الإسلام لجعله عامل إثارة؛ ما يتيح له عدم الخضوع للغرب من جهة أخرى.
ومن الواضح أن معادلة تراجع الإسلام، والسعي نحو إحياء الإسلام وبعثه من جديد كقوة، كانت حاضـرة في كل التيارات الدينية، وإن اختلفت التيارات والاتجاهات في كيفية التعامل معها من حيث منهج التغيير، فمنها من رأى أنها تتحقق بالعلم والأخذ بأسباب تقدم أوروبا من علم وثقافة غربية وسلوك، ومنها ما ذهب إلى ضـرورة استخدام القوة والعنف، والعودة إلى الدين الإسلامي كما فهمته كل جماعة، وهنا ظهرت أفكار ومقولات عن تكفير المجتمع والدولة والسعي نحو مقاومتها بقوة السلاح.
الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن تلك الجماعات والتيارات الدينية ارتبطت بالسياسة وسعت إلى التدخل فيها، مع محاولة التأثير في مجريات الأمور فيها، من باب أن الإسلام دين ودولة، وفكر وممارسة، وأن الإسلام هو دين يحث على الحكم بما أنزل الله. وهنا فُتح الباب واسعاً أمام تفسيرات وتأويلات مختلفة؛ ما حاد ببعض تلك الجماعات عن طريق الإسلام الصحيح وما يحمله من سماحة ودعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، إلى طريق آخر هو التكفير ثم استخدام الإكراه والعنف، الأمر الذي ربط بين بعض تلك الجماعات والإرهاب.
وفي هذا الفصل من الكتاب، يتم تسليط الضوء على تيار ديني مؤثر فكرياً وعقائدياً هو التيار السلفي الذي رأى أن صلاح حال الأمة يكمن في العودة إلى جذور الدين الإسلامي الصحيح، وفقاً لما كان عليه السلف الصالح. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن الجماعات السلفية - على تنوعها - تتفق في أمور فيما بينها، إلا أنها تختلف في أمور أخرى جذرية فرقت وباعدت بينها في المنهج والأسلوب والأهداف، وهو ما يتناوله هذا الفصل.
أولاً: نشأة السلفية وتطورها
كلمة السلفية في اللغة، جاءت من سبق وانقضـى فهو سالف، وعلى هذا فإن السلف يطلق على المتقدم أياً كان، فالسلف هم الجماعة المتقدمون. وفي القرآن الكريـم يقـول سبحانـه وتعالى: ﴿فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾، ويقول أيضـاً: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ﴾. والسلفيـون جمـع سلفـي، هـذا مـن حيـث الحقيقـة اللغويـة.
وسميت السلفية بهذا الاسم نسبة إلى السلف، والسلف هم صحابة رسول الله ﷺ، وأهل القرون الثلاثة الأولى، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخير في قوله: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته». وسبب هذا التمييز لأصحاب القرون الثلاثة الأولى، أنهم قريبو العهد من تعاليم الإسلام، كما جاء بها الرسول ﷺ، فضلاً عن قربهم منه ﷺ، حيث تلقوا التعاليم والدروس مباشـرة، ثم نقل عنهم التابعون، وتابعو التابعين، وكلما زاد البعد عن المنبع زادت الشبهات وكثرت البدع والفتن والفرق.
والسلفيون وفقاً لهذا الوصف ساروا يدعون إلى نهج السلف الصالح، وتمسكوا به باعتباره يمثل نهج الإسلام الأصيل في الفكر والسلوك؛ من حيث اتباع القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة والدعوة إليهما والعمل بهما، زاعمين أنهم أهل السنة والجماعة. ومن هنا فإن السلفيين ينظرون إلى ذلك النهج، على أنه السعي نحو السلوك القويم والطريق السليم الذي لم تمسه شوائب، ولم تنتقصه بدع؛ فهو أقرب إلى الدين الإسلامي الصحيح الخالص ونهجه القويم، بحسب المصادر الرئيسية للدين الإسلامي وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة والإجماع.
السلفية: منهج وقواعد أم جماعات وتيارات؟
هناك وجهات نظر وآراء متعددة حول السلفية، وهل السلفية منهج وقواعد يمكن اتباعها، أم إنها حزب أو حركة تأخذ أشكالاً منظمة متعددة (هيئة، جمعية، تيار.. إلخ)، أم إنها خلاف ذلك كله؟وقد ظهرت آراء في هذا الشأن: الرأي الأول أن السلفية في أصلها وفي حقيقتها هي منهج له أصوله الواضحة في الدين الإسلامي التي لا يمكن الخلاف حولها (القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة)، وفي هذا يُرجع إلى حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله وسنتي».
ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن ما سبق دليل واضح يؤكد صحة الرؤية السلفية، ليس على كون القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة المصدرين الرئيسيين للمسلمين فقط، بل وعلى تلازمهما معاً. ومن هنا فإن السلفية تكمن بحسب هذا الرأي في "إجلال النصوص التشـريعية وتفسيرها في ضوء لسان العرب، ووفقاً لفهم الصحابة والتابعين، وعدم إعمال التأويل فيها إلا في حالات استثنائية". ومن ثم فالسلفية وفقاً لذلك هي نهج عاد إلى الأصول وتمسك بها، وليست جماعة، أو فرقة أو طائفة، أو حزبــاً.
ويذهب هذا الرأي إلى أن من يفهم غير ذلك مخطئ؛ لأن السلفية "لا يمكن تصنيفها ضمن الجماعات والفرق، بل هي منهج قد تلتزمه جماعة ما، أو بعض أفرادها أو تلتزم به دولة، كما هو واقع بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، أو يلتزم به أفراد لا علاقة لهم بدولة أو جماعة. أما تاريخ السلفية فإنه يبدأ منذ عصـر الصحابة، فهم قد أخذوا بمنهج الاتباع والتأسـي بالرسول الأعظم ﷺ".
والسلفية وفقاً لهذا الرأي تتبع: منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فهم خير هذه الأمة، وأزكاها ديناً، وأعلاها مقاماً، وأعمقها فهماً، وأعلمها بما كان عليه النبي ﷺ، فمن اجتهد في سلوك طريقهم فهو سلفي أياً كانت الجماعة التي ينتمي إليها.
فالسلفية تسير على خطى هؤلاء الأسلاف فيما أجمعوا عليه وعلى اتِّباع منهجيتهم في التلقي ومصادر الاستدلال، مع التأكيد أن السلفية تعظم من شأن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة، وتجعلها الأصل الذي تعتمده وتستهدي به، ولا تضع أمامه عراقيل القيود والشـروط بل تنقاد إليه وتسلِم له.. فالنص هادٍ ودليلٌ تتَّبعه النفوس وليس تابعاً ومنقاداً. كما أن السلفية وفقاً لهذا الرأي لا تنكر الاجتهاد؛ فثَمَّة مساحة واسعة للاجتهاد في محيطها، كما أنها تؤمن بشمولية الإسلام في العبادات والأخلاق والمعاملات كلها، في رؤية متكاملة لما يحتاج إليه المسلم في دينه ودنياه؛ ولذلك يعتبرها أتباعها منهجاً. ووفقاً لذلك فالسلفية هي منهج ورؤية، من التزم بها ودعا إليها واجتهد في تحقيقها فهو سلفي أياً كان ومع أي جماعة سياسية سلك، ومن خالف أصولها خرج عن السلفية.
وهذا الرأي يستتبع - وفقاً لأصحابه - أنه ليس هناك ناطق أو ممثل للسلفية يعبِّر عن رأيها ومنهجها، بحيث يكون من خالفه مخالفاً للسلفية، وكذلك أن وقوع بعض المنتسبين إلى السلفية في أخطاء لا يجوز أن يُنسب إلى السلفية؛ لأن الأقوال والأفعال تنسب إلى قائلها أو إلى الجماعة التي تقررها، مثلما يحدث من ممارسات ومواقف متطرفة يتبناها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بل إن هذا الرأي يرى أن كون السلفية منهجاً لا جماعة، يعني بداهة أن المنتسبين إلى السلفية هم قطاع واسع جداً من العالَمين العربي والإسلامي، بل هم الأصل في عموم المسلمين.. فالأصل في المسلم أن يتبع الدليل ويسير خلفه بمنهجية فهم الصحابة، ومن شذ عنه فهو المخالف، فالسلفية هي القاعدة والأصل وليس الاستثناء، بحسب ما يرى أتباع هذا الرأي.
الاتباع
وفي ذلك يرى بعض الباحثين أن مبدأ السلفية بشكل عام هو الاتباع وليس الابتداع، وتعظيم سلطة النص والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من عهد الرسول ﷺ، وأن هذا التيار متواصل تاريخياً منذ الإمام أحمد بن حنبل وصولاً إلى الإمام محمد بن عبدالوهاب، وهو تيار يصفه فهمي جدعان بأنه أخلاقي إيماني انقيادي محافظ، ويرى أن السلفية جميعها تنسب نفسها إلى "السلف" لكنها جميعاً مواقف تعكس عقول أصحابها، وظروفهم وأنماط تفكيرهم.
الرأي الثاني يذهب إلى أن السلفية "حركة". حيث يُقصد بها - وفقاً لهذا الرأي - أنها جماعة منظمة تأخذ شكل هيئة أو حزب أو جمعية.. إلخ، تتبع قواعد المنهج السلفي، وتتحرك بموجبه وتحت رايته وتتخذه مرجعية لها وقاعدة فكرية، ويتفق مع هذا الرأي من يعرّف السلفية بأنها "تيار" بقوله: تُعتبر السلفية تياراً إسلامياً مدرسياً إصلاحياً ظهر إبان عهود التخلف والجمود الفكري في العالم العربي والإسلامي. وهي تدعو إلى العودة بالعقيدة الإسلامية إلى أصولها الصافية، وتلح على تنقية مفهوم التوحيد مما علق به من أنواع الشـرك. ويطلق عليها بعضهم اسم الوهابية نسبة إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب أو لمن أظهر الدعوة السلفية في العصـر الحديث.
الرأي الثالث تمثله دراسات نظرت إلى "السلفية" على أنها ظهرت كتيار إصلاحي تجديدي شامل مستمر يدعو إلى العودة إلى الأصول مع التجديد والاجتهاد، أكثر منه مجرد تيار ديني، أو قواعد بنيت على أساس مذهب ديني معين. وهذا الرأي - حقيقة - يرى السلفية بوصفها حركة فكرية ثقافية دينية إصلاحية، وجدت من تبناها من رموز شغلهم تراجع أحوال المسلمين.
ويذهب هذا الرأي إلى أن دعاة ومفكرين مثل: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وغيرهما كانوا من رواد التيار السلفي الإصلاحي الذي شهده العالم العربي في القرن التاسع عشـر الميلادي، وأن أحد أبرز المفكرين في ذلك الوقت، على سبيل المثال، الإمام جمال الدين الأفغاني، كان يدعو إلى يقظة الإسلام في مواجهة خطر توسع القوى الأوروبية في المنطقة العربية، مبدياً استنكاره - في الوقت ذاته - لاستبداد أنظمة البلدان الإسلامية، ومنتقداً التعصب وتحجر العقول، وداعياً إلى حسن فهم الدين الإسلامي، وتجديد الفكر الإسلامي بالعمل على العودة إلى ما كان عليه "السلف الصالح"، ومن هنا عُرفت حركته الإصلاحية تلك بالحركة السلفية.
وقد شغلت فكرة الإحياء حيزاً كبيراً من فكر بعض الجماعات الدينية السياسية، التي رأت في تقدم الغرب ونهضته، بالتزامن مع تراجع أحوال المجتمعات العربية والإسلامية وتدهورها، محفزاً لها للعودة إلى أصول الدين الإسلامي. كما حاولت تعريف دور الإسلام في المجتمعات الحديثة، وفي مواجهة ما تحمله تلك المجتمعات الصناعية الحديثة من تحديات.








رد مع اقتباس