|
|
حيرة المتلقي
بقلم : عبدالله الهدية الشحي
في زمن سيطرة الإعلام المرئي على المشهد الإعلامي يتنافس أصحاب الاتجاهات الفكرية في جذب مريديهم من خلال إعادة صياغة المحتوى وقولبة الأحداث والقضايا ثم فرضها بشكلها المقولب على المتلقين بأساليب وطرق لا يكاد يكتشف آلية صياغتها الجديدة المتلقي المستهدف. وإن حدث واكتشفها لا شك سيغدو مع الأيام مستسلماً لها ومصدقاً كل ما كان ينكره ويقاومه بالأمس القريب، فتكرار الكذب بطرق مدروسة وموجهة يغدو مع الأيام صدقاً. وهكذا مرة بعد مرة تتم السيطرة على فكر متابع الشاشة من أجل تغيير قناعات صاحبه أو بأضعف الإيمان تحييده عما يؤمن به من ثوابت. يحدث كل هذا في فضاء مفتوح يسمح للغث وللمضل بأن يعرضا كل ما لديهما دون حسيب أو رقيب تحت مسميات «البرناسية» التي تدعو لتحقيق السعادة عن طريق الفن لا العلم وتحطيم وتدمير القديم المقصود به كل ما ينطوي على العقائد والأخلاق والقيم بحجة أن الحياة تقليد للفن وليس العكس وأن الفن للفن.
بكل تأكيد لا أحد منا يؤمن بركود الفكر والانزواء تحت عباءة الأمس أو النكوص إليه في زمن الابتكار والحداثة والتجديد ولكننا نؤمن بأن الثابت الكبير له مكانة ثابتة في أعماقنا فلن تزعزعه رياح التغيير وأمواج الفوضى الخلاقة وأن الجديد في الوقت ذاته مطلب مهم شرط أن يوظف في خدمة ومصلحة حاضرنا ومستقبلنا وأن التخطيط ودراسة الاتجاهات وقراءتها مع قراءة الظروف المحيطة ومعرفة ماذا يريد الآخر منا وما طرقه للوصول إلى مبتغاه ، مطالب رئيسية يجب الوقوف عند كل تفاصيلها ومعطياتها قبل الولوج في إعداد وتقديم أي مادة متلفزة.
إن المتتبع لشاشات فضائياتنا العربية يصدم بواقع مرير حين يكتشف أن أغلبها وُجد إما للترفيه من أجل الترفيه وهذا لعمري لا يذم، فسويعات الترويح مطلوبة شرط ألا تغطي البعد الزمني كله أو للترويج دون وعي ودراسة لأمر ما تكبر وتقل أهميته حسب الأحداث المحيطة أو التسويق دون هدف فكري واضح المعالم يسعى إلى بناء قيمة أو غرس واقع مأمول. وهذا ليس ببعيد عما يعرض من مسلسلات وأفلام عربية تكرس الواقع بسلبياته أكثر من النظرة الإيجابية للمجتمعات العربية وهذا يخلق فارقاً شاسعاً بين ذلك المسلسل أو الفيلم الذي ينظر إلى الفن كونه الجميل المأمول لا الواقع المرير، فالأسرة عندهم وإن كانت فقيرة تجدها في بيت نظيف رغم بساطته ومائدة طعامهم شهية رغم شح مكوناتها وأن المسلسل برمته يهدف إلى التسويق لنزاهة المجتمع و السعي إلى تخليص العالم من الشرور وأن الشرير هو ذاك المهاجر القادم من خلف البحار.
وهذا بعكس النسبة العظمى من مسلسلاتنا التي تعرض بأسلوب مبالغ فيه تشتت الأسر وضياع أفرادها، فهل نعي تأثير ما يعرض علينا عبر شاشات الفضاء أم سنبقى في حيرة من أمرنا؟
aaa_alhadiya@hotmail.com