الحلقة 18 من السراب| الجماعات الدينية السياسية: الاتجاهات الرئيسية في السلفية




24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.


الحلقة 18

الباب الثاني: حالات تطبيقية

الفصل الرابع: الجماعات الدينية السياسية: السلفيون



اتجاهات رئيسية في السلفية


تعددت اتجاهات السلفية كما ذكرت سالفاً، فالسلفية ليست كياناً واحداً متجانساً، حيث طرأ عليها العديد من التغيرات، فمنها من اتخذ السلفية منهجاً وقواعد، ومنها من جعل السلفية جماعة وتياراً ارتبط بالعمل بالسياسة، ومنها من تطرف واستخدم العنف ومنهج التغيير بالقوة مثل "السلفية الجهادية". وعلى الرغم من الخريطة المتشعبة للسلفية، يمكن التمييز بين اتجاهات رئيسية في السلفية في الوقت الحاضـر كما يأتي:

الاتجاه الأول: اتجاه السلفية العلمية أو الدعوية
هو ذلك الاتجاه الذي سلك طريق الدعوة والتعليم ورفض مبدأ المشاركة السياسية، وتتجه جهوده نحو نشـر الجوانب الصحيحة للعقيدة الإسلامية، والرد على الأفكار التي يعتبرها منحرفة عن الإسلام الصحيح، خاصة من الفرق الإسلامية المختلفة مثل الخوارج والشيعة. ويمثل هذا الاتجاه في المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين وتلاميذه، وفي المملكة الأردنية الهاشمية يقترب ناصـر الدين الألباني من هذا الاتجاه.

وأود هنا أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أنه يوجد اختلاف بين الباحثين والمتخصصين حول ماهية السلفية العلمية. فمثلاً هناك من يرى أن السلفية العلمية والدعوية قسم واحد، اختار الدعوة والتعليم، ونشـر الدين الصحيح، ورفض مبدأ المشاركة السياسية، وبالمقابل، هناك من الباحثين من يرى خلاف ذلك، وهو أن السلفية العلمية تتبنى خيار العلم الشـرعي ومحاربة البدع وتنقية الإسلام من الشوائب، وفرق بينها وبين السلفية الدعوية، قائلاً إن السلفية الدعوية تتبنى منهجاً دعوياً تغييرياً، يسعى إلى إصلاح المجتمع بوسائل مثل التربية والعمل الجماعي، وقد يصل الأمر بها إلى تكوين أحزاب سياسية والمشاركة في الانتخابات كما حدث في دولة الكويت ومملكة البحرين وجمهورية مصـر العربية. ويؤخذ على هذا التعريف الأخير كونه يخلط الأوراق بين الدين والسياسة، والعمل الدعوي والعمل السياسـي، فمن المتفق عليه أن العمل الدعوي يكون هدفه الدعوة إلى الله، ونهج الدين القويم، ونشـر قيم الدين وتعاليمه السمحة، على خلاف العمل السياسـي الهادف إلى تحقيق هدف أو مصلحة لجماعة أو تيار معين - مثل الحصول على سلطة ما - على حساب منافسين آخرين.





الاتجاه الثاني: اتجاه وسط بين الفكر الديني والعمل الحركي
وهذا الاتجاه يجمع بين الفكر والحركة معاً؛ فعلى الرغم من تمسكه بالأفكار السلفية والمنهج السلفي، فإنه من جهة أخرى يؤمن بالعمل الحركي المنظم وبالإصلاح السياسـي، وسلمية التغيير، حتى مع اختلاف المجموعات التي تمثله حول رؤيتها للواقع السياسـي وموقفها منه، فهي تتفق مثلاً على أهمية العمل السياسـي ومشـروعية المعارضة، ورفض منهج العنف والعمل المسلح، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه حزب النور المصـري، وجمعيتا الحكمة الخيرية والإحسان في الجمهورية اليمنية، والجمعيات السلفية في دولة الكويت ومملكة البحرين.

الاتجاه الثالث: اتجاه السلفية الجهادية
السلفية الجهادية في حاجة إلى إسهاب وشـرح، والسبب في ذلك أن هذا الاتجاه يحمل اسم "السلفية" ما قد يشير إلى أنه ينتمي إليها، في حين أن السلفية كمنهج وفكر، بل كحركة وممارسة، تتبرأ منه ولا تنسبه إليها، فالسلفية الجهادية تؤمن بالعنف والعمل المسلح والتغيير بالقوة والخروج على الحكام، كما تكفر المجتمعات، ومن بين مقومات هذا الربط ما يقوله باحثون من أن التراث الفكري للشيخ محمد بن عبدالوهاب قد أضحى مصدراً رئيسياً أضيف إلى مصادر التراث المعرفي الجهادي عقب مرحلة الجهاد في أفغانستان.





وهناك من يرى أن السلفية الجهادية أيضاً جمعت بين التوحيد بمعناه الحنبلي الجديد كما أسسه الإمام أحمد بن تيمية، وفصّله الإمام محمد بن عبدالوهاب على المنهج السلفي، وحاكمية سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، التي تعني أن الحكم لله بمعنى وجوب تطبيق شـرع الله وأحكامه وفق منظور الجماعات الدينية السياسية كأساس للمجتمعات المسلمة، وهذا التوجه يعني من منظور الأدبيات السياسية الحديثة، أن الله هو مصدر السلطة وليس الشعب أو الأمة. كما أن السلفية الجهادية قامت على الدمج بين تجربة الجهاد الأفغاني في جهاد العدو البعيد، والجهاد ضد العدو القريب.

من جانب آخر، هناك من يرى أن الربط النظري القائم بين السلفية والتنظيمات الجهادية يمكن رده إلى أسباب عدة منها:

• كثرة المنتسبين إلى التيار الجهادي العالمي من أبناء الجزيرة العربية، خاصة من المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية، إثر دعم بعض الدول العربية والإسلامية للجهاد في جمهورية أفغانستان الإسلامية، وتوفير الغطاء المادي والإعلامي حتى الشـرعي له، حيث تبنى كثير من العلماء، مثل محمد بن عبدالرحمن العريفي وسلمان بن فهد العودة وغيرهما، ممن ذاع صيتهم في الأوساط الجهادية والإعلامية المشـروع الجهادي، وروجوا له في أزمات ودول أخرى بخلاف أفغانستان، كما حدث في كل من سوريا والعراق.

• الاسترشاد بالدعوة السلفية كمنهج علمي وعملي، والنظر إلى كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب، كأحد المراجع الفكرية الرئيسية للتنظيمات الجهادية.

• انقسام السلفية الوهابية إلى سلفية تقليدية وأخرى جهادية، الأمر الذي سمح باستخدام المصطلح بهدف التمييز بين التيارين.

مصطلح "الوهابية" مرفوض من جانب أتباع محمد بن عبدالوهاب، الذين يرون أنهم أصحاب منهج العودة إلى الأصول ومحاربة البدع، وأنه لا يوجد ما يسمى "الوهابية"وهناك من يضيف أن المتعاطفين مع القاعدة في العالَمين العربي والإسلامي يستحسنون التسمي بهذا الاسم "السلفية الجهادية"؛ لأنه أقل إثارة للشبهات من اسم القاعدة، الذي ارتبط بالإرهاب على مستوى العالم - خاصة بعد أحداث الحادي عشـر من سبتمبر 2001م - مع أن فكرهم الحقيقي هو فكر تنظيم القاعدة، وهم هنا يرغبون في نسبة أنفسهم إلى السلف، باعتبار السلف هم خير قدوة ومدرسة يجب أن يحتذى بها، لكن في الوقت نفسه يركزون على موضوع الجهاد، الذي يعتبرون أن باقي المنتسبين إلى السلفية متقاعسون عنه.

ويرى المنتمون إلى تيار السلفية الجهادية أن السلفية هي تمسُّك بما كان عليه السلف الصالح على صعيد "الاعتقاد والعمل والجهاد، فالسلفية الجهادية تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آن واحد، أو هو تيار يسعى إلى تحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت... فهذه هي هوية التيار السلفي الجهادي التي تميزه عن سائر الجماعات الدعوية والجهادية".





العلاقة بين السلفية والوهابية:

هناك علاقة وثيقة تربط بين السلفية والوهابية (نسبة إلى الإمام محمد بن عبدالوهاب صاحب الدعوة السلفية في نجد). ويقول محمد أبو زهرة عن السلفيين:

السلفيون [هم] أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوصف، وأولئك ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة وزعموا أن جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيا عقيدة السلف وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، إذ أحياه شيخ الإسلام ابن تيمية، وشدد في الدعوة إليه، وأضاف إليه أموراً أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها أحوال عصـره، ثم ظهرت تلك الآراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشـر الهجري؛ أحياها الإمام محمد بن عبدالوهاب وما زال الوهابيون ينادون بها ويتحمس بعض العلماء من المسلمين لها. وهناك من الآراء ما يعتبر أنه لا فرق بين منهجي السلفية والوهابية، ويرى أنهما وجهان لعملة واحدة، وتستند هذه الآراء إلى أن الجانبين يتبنيان المعتقدات والأفكار ذاتها، وأن هذه الأفكار عندما تتبلور داخل الجزيرة العربية تسمى وهابية حنبلية، وعندما تُصدّر أو يتم تناولها خارج نطاقها الجغرافي الرئيسـي وهو الجزيرة العربية يطلق عليها مسمى سلفية.

وبشكل عام فإن مصطلح "الوهابية"، مرفوض من جانب أتباع الإمام محمد بن عبدالوهاب، ذلك أنهم يرون أنه لا يوجد في الإسلام ما يسمى "الوهابية" وأن الأمر يتعلق بمنهج العودة إلى الأصول ومحاربة البدع. صحيح أن الإمام محمد بن عبدالوهاب له مكانة كبيرة لدى أتباعه، لكنهم يرون أن ذلك لا يؤسس لمذهب إسلامي جديد هو "الوهابية"، خاصة أنهم أعلنوا صـراحة أن فكرهم هو العودة إلى الإسلام الصحيح على ما كان عليه السلف الصالح، والمبني على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والإجماع وفقاً لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، ومن تبعه مثل الإمام أحمد بن تيمية، ثم جاء الإمام محمد بن عبدالوهاب مجدداً وداعياً للعودة إلى الأصول، فهو متبع لدعوة السلف وليس مبتدعاً لها، ودعوة السلف لم يكن فيها وهابية.

أما عن "الوهابية" كمسمى ونسبه إلى الإمام محمد بن عبدالوهاب، فيقول بعض الباحثين:
ظهرت الوهابية في الصحراء العربية، نتيجة للإفراط في تقديس الأشخاص والتبرك بهم، وطلب القربى من الله بزيارتهم، ونتيجة لكثرة البدع التي ليست من الدين، وقد سادت هذه البدع في المواسم الدينية والأعمال الدنيوية، فجاءت الوهابية لمقاومة كل هذا، وأحيت مذهب [الإمام] ابن تيمية.

وهو الرأي ذاته الذي قال به حامد الفقي، مؤسس جمعية أنصار السنة المحمدية بمصـر، مؤكداً أصول الدعوة الوهابية، فهو يقول إن "الوهابية" لا يدعون لا بالقول ولا بالعمل أن الإمام محمد بن عبدالوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علماً غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح.


وهذا ما ذهب إليه أنصار المنهج السلفي أيضاً، منتقدين إطلاق اسم "الوهابية" على تلك الدعوة قائلين إن إطلاق هذا المسمى على دعوتهم جاء لتبدو بمظهر المنتسب إلى شخص، وما هي كذلك؛ لأنها دعوة إسلامية عامة. وادعى منتقدو الوهابية أنها ابتدعت مذهباً جديداً، وآراء لم تكن معروفة في الإسلام، مع أن كل ما دعا إليه الإمام محمد بن عبدالوهاب من أصل إسلامي، قال به فقهاء المسلمين، وكل ما نادى به من محاربة البدع والضلالات له مماثل في المذاهب الإسلامية، كما كان الإمام محمد بن عبدالوهاب على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

من جانب آخر، يُذكر أن الوهابية لم تقتصـر على الدعوة فقط، بل عمدت إلى حمل السيف ضد المخالفين من أصحاب البدع، لأنها منكر تنبغي محاربته، انطلاقاً من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾.