المزارعون يتحدثون عن موت النخيل واقفاً ويطالبون بتحلية مياه البحر
جفاف الآبار يتسبب في إغلاق أبواب عشرات المزارع في المنطقة الشمالية



*جريدة الفجر



تحقيق - رأس الخيمة:

جولة واحدة في المنطقة المنطقة الشمالية كانت كافية للوقوف على حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي جراء ما أصابه من ظاهرة العطش، حيث انخفض منسوب المياه الجوفية؛ بل أصاب الجفاف العديد من الآبار التي يعتمد عليها في ري المزارع وماتت مئات من أشجار النخيل واقفة وأيضاً الأشجار المثمرة الأخرى وغادر العديد من المواطنين حقولهم بعدما أغلقوا أبوابها وابتعدوا عنها مؤقتاً أو نهائياً.

ويرى راشد الشريقي وهو أحد أبناء المنطقة الشمالية المهتمين بالقضايا المجتمعية أن الدولة مهتمة بالقطاع الزراعي انطلاقاً من كونه يمثل أحد الثروات المتوفرة في الوطن وعنصراً مهماً لتحقيق الأمن الغذائي، مشيراً إلى برامج تنفيذ الزراعة المحمية التي توفر المحاصيل في غير مواسمها، وأيضاً مشاريع السدود التي أقامتها الدولة في العديد من الأودية للاستفادة من مياه الأمطار في تغذية المخزون الجوفي لري المزارع وحفز المواطن وتمليكه وسائل الإنتاج المتطورة وفسائل النخيل الجيدة وتسويق إنتاج التمور بأسعار مادية جيدة، لكن ما أصاب المياه الجوفية أعاق تلك الجهود وتسبب في تعطيل النشاط الزراعي.


* * *


المشكلة في جوف الأرض:


ويقول المزارع علي سعيد المزروعي وهو صاحب مزرعة في منطقة الغيل: بعدما جفت الآبار وبدأ النخيل يموت واقفاً أيقنت أن وجودي لا أمل منه، لذلك أقدمت على تجميد نشاطي الزراعي وأنهيت خدمات العمال وأغلقت أبواب المزرعة، لكن الحنين يراودني للعودة إليها لأن لي في المزرعة ذكريات مسيرة حياة طويلة تمتد منذ نعومة أظفاري، لافتاً إلى أن عودته لممارسة العمل في مزرعته مرهون بإيجاد حل جذري لمشكلة مياه الري، ويتفق مع الاخرين بأن ذلك يمكن أن يكون من خلال إقامة مشاريع لتحلية مياه البحر قائلاً: دولتنا فيها الخير الكثير وقادتنا يعملون بإخلاص من أجل إسعاد شعبهم وإذا وجدوا لما يقضي على ظاهرة شح مياه ري المزارع فإنهم لن يقصروا في ذلك.

ومن جهتها اتخذت رأس الخيمة إجراءات من أجل المحافظة على ما تبقى من مخزون المياه الجوفية، وتشمل عدم حفر الآبار الجوفية بطرق عشوائية لاستخراج المياه سواء لغرض الري أو غير ذلك، وتحدد لذلك شروطاً تتولى لجنة فنية مشكلة من جهات الاختصاص مراقبة تطبيقها ميدانياً من خلال زيارة المواقع المراد حفر البئر أو الآبار فيها وتقدير عمقها وسعة قطرها والغاية من استخدام مياهها ومواصفاتها، وبموجب الشروط المتبعة في هذا الخصوص فإنه تفرض غرامة لا تقل عن 5000 درهم ولا تزيد على 10000 درهم للشركات والمؤسسات التي تخالف اجراءات حفر الآبار الجوفية، بينما يغرم الأفراد وأصحاب المزارع المخالفين 300 درهم ولا تزيد على 1000 درهم وتتضاعف الغرامة في حال تكرار المخالفة.

وبالنسبة لهيئة البيئة والتنمية فهي تؤكد على ضرورة المحافظة على المخزون الجوفي من المياه وحمايته من الاستنزاف موضحة أنها تعكف على دراسة إقامة مشروع لتوفير مصادر مياه محلاة لفائدة الشركات العاملة في مجال المقاولات وبيعها بأسعار مناسبة.


* * *


المواجهة:


وبحسب المزارع محمد سالم مصبح الخاطري وهو من كبار المزارعين، فإن المياه الجوفية تدهورت في مزرعته بصورة متسارعة وما بقي منها كمية قليلة لا تكفي لري المحاصيل أو سقي الحيوانات، وهو الشيء الذي تسبب في تقليص حجم العمل إلى أدنى الحدود ومع ذلك يتمسك بالبقاء في مزرعته حفاظاً عليها.

ومن أجل مواجهة مشكلة العطش لجأت لتقليص مجموعة من المزروعات حتى وصلت إلى التوقف عن زراعتها بصورة نهائية، ومع استمرار تدهور المخزون الجوفي اعتمدت على أشجار النخيل لأنها تتحمل العطش، وأثناء ذلك قمت بعمليات تعميق الآبار بكلفة عالية بهدف زيادة طاقتها الإنتاجية من المياه، غير أن تلك المحاولات لم تكن بذات جدوى إذ إنه في كل مرة تنحدر المياه هاربة نحو الأعمق.

وقال المزارع محمد علي سعيد اليماحي الذي يملك مزرعة في منطقة الطويين ان مشكلة مياه الري بدأت مع ظاهرة شح الأمطار في السنوات الأخيرة وأيضا ما حدث من استنزاف للمياه الجوفية في أعمال البناء والاعتماد عليها في تزويد الأحياء السكنية موضحا أن المشكلة لا تقتصر على جفاف مياه الابار التي تسقي الزراعة فحسب وإنما أيضاً ما صاحبها من ارتفاع في معدل ملوحة المياه.



* * *


السدود:


ويتساءل المزارع علي حارب ما إذا كانت السدود هي السبب في حرمان جوف الأرض من حصة كافية من مياه الأمطار؟.. ثم يرد هو نفسه قائلاً: لا أتفق مع هذا الرأي، وقناعتي أن الدولة تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على مخزون المياه في جوف الأرض ومن أجل ذلك أنشأت العديد من السدود التي تم تصميمها بناء على دراسات هندسية وفنية وبيئية ما يجعلها مؤهلة لتخزين كميات كبيرة من مياه الأمطار بدلاً من ضياعها هدراً فتسهم في مضاعفة مخزون المياه في جوف الأرض.

ومن جهته تحدث علي أبوحسين وهو صاحب مزرعة كبيرة: كانت في السابق؛ أي قبل ظاهرة العطش، تضم 700 نخلة مثمرة، لكن نتيجة لانعدام مياه الري في بعض الآبار التي تروي المزرعة خسرت العديد من أشجار النخيل وما تبقى منها بات ضعيف الإنتاج؛ بل إن بعضه آيل للموت عطشاً، مشيراً إلى أنه قام بالعديد من المساعي من أجل تلافي المشكلة فحفر 20 بئرا وصل أعماق بعضها إلى 700 قدماً، كما اشترى محطة لتحلية المياه، غير أن تلك الجهود لم تنجح في توفير كمية كافية من المياه تمكنه من مواجهة مشكلة مياه الري وملوحتها.


* * *



الثروة الحيوانية:


وقال أحمد الشحي إن لديه مزرعة كانت تضم مجموعة كبيرة من أشجار النخيل والليمون وأشجار مثمرة والمحاصيل الزراعية الأخرى، لكن نتيجة لجفاف مياه مصدر الري لجأت كغيري من بعض المزارعين لشراء المياه وهي عملية مكلفة لكن كان ذلك خياراً لابد منه لإنقاذ أشجار النخيل من الموت، ويتفق مع غيره بأن حل مشكلة المياه يؤدي لعودة القطاع الزراعي إلى الوضع الطبيعي.

وبدوره يقول سعيد سالم: إن رأس الخيمة واحدة من المناطق التي شاءت إرادة الله أن تجعلها مؤهلة بإمكانات زراعية كبيرة، وهو ما كان مشاهداً بصورة واضحة في الماضي حيث تنتج المزارع الفواكه وشتى أصناف الخضروات والنخيل، لكن نتيجة لأزمة مياه الري توقف النشاط الزراعي وبحسب رأيه فإن النشاط المتزايد للكسارات ساهم في استنزاف مخزون المياه الجوفي وبالتالي تقليص المساحة المزروعة بالخضروات كما أثر على الثروة الحيوانية.