-
5 - 8 - 2016, 11:35 PM
#1
قراءة ومحو وكتابة
-
قراءة ومحو وكتابة
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
لا ننسى أننا في عام القراءة.. أي الكتب، ثم، الكتب، وما فيها من حياة، ومسرات، ومفاجآت..
كل كتاب هو مدينة، بل كل كتاب هو عالم مُغلق، ما أن تفتحه، وتأخذ بالقراءة، حتى يتكشف العالم الواحد عن عوالم، وعادات، وثقافات، وأذواق، وكل كاتب له ذوقه، وأسلوبه، وطريقته في مصادقة القارئ، ولولا القارئ لما كان الكاتب، لكن أجمل القرّاء هو من يترك لك أثراً في الصفحات، أو على الغلاف، أو بين السطور و(بين السطور هذه) لها أكثر من معنى وتأويل، مثل رجل يتلقى رسالة، فينصرف اهتمامه إلى الكلمات المشطوبة.. ولعل الشطب، والخطوط، والملاحظات الصغيرة التي نضعها على هامش الورقة هي ذلك الأثر الذي يتركه القارئ، ويقود إلى صداقة (غامضة).
في العاصمة الأردنية عمان يمتد شارع يُطلق عليه شارع سقف السيل كان معروفاً بكثرة أكشاك بيع الكتب المستعملة أو الكتب القديمة، وهذه الكتب كانت في الأصل جملة من المكتبات المنزلية باعها أصحابها لأكثر من سبب.. قد يكون السفر، قد يكون الانتقال للعيش في مكان آخر، ولكن أقسى الأسباب أن تبيع كتاباً لأنك في حاجة إلى ثمنه.. وما هذا الثمن؟ إنه بضع ليرات لا أكثر.. قد توفر عشاءً لعائلة صغيرة، وبالفعل، يضطر بعض الكتّاب إلى بيع كتبهم، وليست بعيدة حكاية ذلك الكاتب اليمني الذي باع قبل سنوات بعضاً من أثاث منزله ليوفر نفقات طبع إحدى مجموعاته الشعرية، ولكن من يبع أثاث منزله من أجل أن يصدر كتاباً، فهي ليست بطولة خاصة إصدار كتاب شعر، فالشعر يصبح أجمل عندما يُخبأ في الأدراج القديمة، وتنشره، فجأة، في الشيخوخة حيث يشيب شعر الرأس، ولكن لا تشيب الكلمات.
نعود إلى مكتبات سقف السيل في عمان..
يترك قارئ هذه الكتب القديمة ملاحظاته على هوامش الصفحات، وأغلب هذه الهوامش يأتي مكتوباً بقلم الرصاص الذي يعطيك انطباعاً بالحميمية أو الطفولية، فنحن تعلمنا الكتابة في الصفوف الابتدائية بقلم الرصاص.. ربما لكي نكتب ونمحو.. والحياة محو وكتابة.
تعلمنا الكتابة، أيضاً، بالطبشور والسبورة، وأيضاً مرة ثانية.. محو وكتابة، وما نقرأه مكتوباً بقلم الرصاص في هوامش الكتب القديمة يصرف اهتمامك عن قراءة السطور نحو قراءة الهوامش الرصاصية التي هي أفكار رجل أو امرأة سبقاك إلى القراءة، وقد تنطوي هذه الأفكار على رغبة دفينة بالكتابة، رغبة خجولة، ولكنها قد تتحقق.
كل كتاب هو مدينة، وكل كتاب هو رجل أو امرأة. طفولة أو شيخوخة.. ذاكرة أو نسيان. قسوة أو رقة. خوف أو طمأنينة. صمت أو صخب.. وأنت سيد هذا كله. سيد قراءتك أنت، وسيد كل هؤلاء الأبطال الموجودين في الكتاب. إنهم أسراك، فإذا أردت افتح باب الكتاب، وأطلق كل هؤلاء إلى الحرية.
هل يفعل القارئ ما لا يفعله الكاتب.. نعم، إذا امتلك مفتاح القراءة، وكل كتاب له مفتاح.. كما لكل مدينة بوابة.. فمن أي البوابات سوف تلج إلى روح المدينة؟
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى