-


عزلة وأشياء أخرى


*جريدة الخليج


شيخة الجابري:

هل يعتزل المبدع شاعراً كان أم رساماً أم كاتباً أيّاً كان شكل كتابته؟ وهل حين يغدو معتزلاً يستطيع الاستمرار في تلك العوالم التي صنعها لنفسه بعيداً عن صخب الناس، والكلمات، وكل شيء يحيطه بهالة من الضجيج، واللا هدأة، والازدحام غير المبرر في كل شيء ولا لشيء.

العزلة فعلٌ فارهٌ، قليلون هم الذين يدركون قيمته، أو يقتربون من كينونته كأداة للغوص الأصدق في الذات، والخوض بعيداً جداً عن رتابة الحياة، ومللها، وسكونها تارة، أو جنونها تارات كثيرة. الكاتب كائن هشٌ لا يقوى على ابتلاع كل تلك الكميات من التعب، وكبسولات الشقاء والعناء، وأدوية الصبر التي هي أشد مرارة من أي طبابةٍ أخرى.


الحاجة إلى الذات تشبه الهرب من الآخر، تأخذك بعيداً عما تحب، أو من تحب، لتقربك في آن معاً مما أو ممن تحب، هكذا هي الازدواجية التي تحياها كصاحب حالة خاصة، قليلون هم الذين يدركون معناها، أو يعيشون أجواءها، أو يقتربون من طقسها المتعدد الفصول، تلك الفصول التي تحجب الكاتب عن الآخر لتصله بذاته في تماهٍ تام بينه وبين أناهُ ونرجسيته الذاهبة به نحو الأشرس من التوحد معه، والوحدة داخله وحده فقط.


في حياتنا الكثير من التحولات والأحداث والتقلبات والصراعات والمفاجآت، والأفراح والأتراح، والسعادة والشقاء، متناقضات كثيرة تحيط بنا، مترادفات أكثر تحاصرنا وسط صراع بينها وبيننا لكأنما نحن معها في حالة تقاطع، أو تواصل أو تخاصم يتنافر مع ذاته ليلتقي بالمبدع في منطقة الحيرة التي نأت به نحو سماء أخرى، مطرها يشبه روحه الشفيفة، وقمرها لا تشوبه العتمة حينما ينسل منه إلى البعد السماوي الأزرق.


العزلة حالة مهيبة، قراءة متأنية لأشياء متعددة، مضطربة، مشاكسة، ساكنة، متماوجة، كأنما هي انفصال عن مناطق كانت بالنسبة لصاحبها ملاذاً، وسكناً، وسكينة، حين يغيب الكاتب تغيب أشياء مختلفة ليس الجمال أولها، كما ليس الفرح آخرها، الكاتب روح المكان والآخر والذات، الكاتب بستان من النور حين يخبو بإرادته، فذاك لكي يعود أكثر توهجاً، وبهاءً، ومحبة.


الكاتب كالطفل الوديع حين يغفو على جناح الحلم، ليوقظه الواقع الأعذب، والأرحب الراعب.