-
5 - 12 - 2016, 11:35 PM
#1
القارئ والناقد
.
القارئ والناقد
*جريدة الخليج
حسن مدن:
يحدث أن تلقى أعمال أدبية نجاحاً واسعاً لدى القراء، فتصدر في عدة طبعات متتالية، فيما يتخذ النقد الأدبي منها موقفاً متحفظاً ويراها فاقدة لشروط العمل الأدبي، أو غير مقنعة من وجهة النظر الفنية- التقنية.
ثمة استدراك، فالحديث هنا لا يدور عن أعمال تافهة، يبرع الناشرون عادة في تسويقها، مستفيدين من بعض الجُرع الحسية فيها، خاصة في مجتمعات منغلقة مثل مجتمعاتنا، لم تعتد على البوح الراقي. وكنا، وما زلنا، شهوداً على ما توصف بـ«الروايات» التي تصدر في بلداننا لكتاب وكاتبات أقل في العمر والتجربة، ومع ذلك فإنها تلقى رواجاً واسعاً.
هذه ظاهرة يمكن فهمها وتحليلها كمظهر من مظاهر الثقافة الاستهلاكية الرائجة، التي تتوخى السهولة والتسطيح ومخاطبة الوعي المتدني لدى الكتلة الأوسع من الجمهور، لا من القراء، فثمة فروق كبيرة بين القراء الذين بفضل القراءة للأدب الراقي تشكلت لديهم ذائقة جيدة ووعي ومعرفة، وبين الجمهور الواسع الذي يتلقى عملاً من الأعمال قيل له إن فيه مشاهد من الإثارة.
حديثنا هنا يدور عن القراء الشغوفين بالقراءة فعلاً لا عن الجمهور الواسع الذي يبحث عما يسلي ويثير، لا عما يؤسس لمعرفة وذائقة.
إلى ماذا أو إلى مَن نحتكم في تقييم عمل أدبي معين، إلى حكم هذا النمط من القراء الذين يستقبلونه باهتمام وإعجاب، أم إلى النقد حين يجنح إلى نفي «أدبية» هذا العمل، واعتباره فاقداً لشروطها؟
أذكر أن سؤالاً وجه ذات مرة إلى باولو كويلهو عن «السر» في تحامل النقاد عليه، واعتبارهم رواياته التي حققت رواجاً بلغات مختلفة، روايات عادية، وخالية من التميز.
لا تحضرني الآن بدقة إجابة كويلهو عن السؤال، ولكن ما أذكره أنه ضرب مثلاً بجبران خليل جبران، الذي ما زالت أعماله تلقى رواجاً، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في الفضاء العربي الذي نشأ فيه قبل هجرته إلى أمريكا، حيث لاحظ الكاتب، وهو محق بالمناسبة في ذلك، أن جهابذة النقد تعاطوا بتعالٍ مع كتابات جبران، التي رأوها نوعاً من الأدب «الشعبي» الموجه للكتلة الأوسع من الجمهور التي تتلقف هذا النوع من الكتابة «البسيطة».
ليست الغاية هنا التقليل من أهمية النقد، ولا الانسياق وراء الأقاويل بـ«موته»، فالنقد سيظل مهماً دائماً، كي لا تكون الساحات مستباحة من كل غث، ولكن دون أن ننسى أن الناقد هو في نهاية المطاف قارئ، ومهما تمكن من أدواته النقدية في تحليل وتشريح العمل المنقود، فإنه لن يتحرر من ذائقته كقارئ، وهي، من حيث الطبيعة، لا تختلف عن ذائقة قراء مثقفين، حتى وإن لم يكونوا نقاداً.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى