الاصلاحات الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي ...إلى أين تمضي


بقلم : عبدالحليم محيسن - مستشار اقتصادي - دائرة التنمية الاقتصادية في رأس الخيمة


تاريخيا، وجهت إلى دول الخليج انتقادات حادة من قبل بعض المختصين والمراقبين، منها عدد من المؤسسات الدولية، لعدم مضيها في إجراء إصلاحات اقتصادية جوهرية إلى نهاية الطريق أو المطاف، حيث كان صوت الاصلاحات يخفو بل وينطفئ مع ارتفاع اسعار النفط، ليعاود الارتفاع والظهور بقوة مرة أخرى عند هبوطها.


لكن الأمر هذه المرة يبدو مختلفاً عن سابقيه، فحديث الإصلاح لا يعلوا عليه أي حديث، والخطوات والاجراءات التي تم اتخاذها من قبل بعض الدول تشي بأن الأمر سيمضي إلى نهايته، وأن وقت الحقيقية قد أزف، فلا مجال للاستمرار في نهج تطبق السياسات الاقتصادية التقليدية القائمة على التدخل والدعم الحكومي إلى ما لانهاية.

ويتوقع البعض، ومن بينهم كاتب هذه السطور، أن تمضي دول الخليج بشكل منهجي ومستمر في تطبيق سياسات شاملة للإصلاح الاقتصادي، سواء كانت دورة هبوط أسعار النفط العالمية التي تمر هذه الفترة على المنطقة عابرة، أم مستمرة. وذلك لأسباب عديدة وجوهرية.

من أهم هذه الاسباب أن السوق العالمي للنفط يشهد تغييرات جوهرية وهيكلية في جانب العرض نتيجة تزايد حصة إنتاج الدول من خارج اوبك، والتوسع في إنتاج النفط الصخري الذي سيشكل برأيي رمانة الميزان التي تضع حدا لارتفاع الاسعار العالمية فوق مستوى معين (يتمثل في تكلفة الانتاج مع هامش ربح بسيط لمنتجي النفط الصخري) على الاقل خلال السنوات الخمس القادمة.

في جانب الطلب، قد تمتد حالة النمو الهش والضعيف للاقتصاد العالمي التي ظهرت بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008 إلى سنوات أخرى ليست بالقليلة خاصة مع ظهور النزعات الحمائية بين عدد من الدول الكبرى، وما قد ينتج عنها من خلافات ومشاكل اقتصادية عديدة تؤثر سلبا على زخم النمو الاقتصادي العالمي الذي يؤثر بدوره في الحد من نمو الطلب على النفط الخام.


لقد وجدت حكومات دول الخليج نفسها نتيجة تراجع الايرادات النفطية، وبرامج الانفاق الضخمة التي تبنتها قبل الانخفاض في موقف فرض عليها خيارا واحدا لا بديل عنه، وهو تطبيق إصلاحات اقتصادية جوهرية تمثلت بداية في تبني سياسات مالية ترشيدية الطابع لتجنب المزيد من التداعيات على الموازنات الحكومية التي شهدت عجزا متناميا ومتصاعدا لا يمكن التعايش معه في الامدين القصير والمتوسط. فمنذ منتصف عام 2015 قامت دول الخليج بترشيد معدلات الإنفاق الحكومي على بعض المشاريع العامة، وبخفض الدعم على أسعار الطاقة وعدد من السلع والخدمات الأخرى. كما قام بعضها بالعمل على رفد الايرادات العامة بزيادة أسعار ورسوم العديد من الخدمات الحكومية، وكان أهم ما اتخذ في هذا المجال الاتفاق بينها على تطبيق ضريبة القيمة المضافة ابتداء من العام 2018. ولاتخاذ إجراءات سريعة لدعم الموازنات العامة لحكومات بعض الدول، قام بعضها بطرح سندات دولية لتامين موارد مالية تكفي لسد نفقاتها الجارية والرأسمالية.

في اعتقادي بأن عهد التردد في إجراء الاصلاحات الاقتصادية في المنطقة قد ولى إلى غير رجعة، فدول المجلس سوف تمضي إلى نهاية المطاف في هذا الطريق حتى ولو رجعت أسعار النفط العالمية إلى سابق عهدها، فقد تم وعي الدرس من السنوات السابقة، بأن تأجيل مواجهة التحديات وترحيلها سوف لن يسهم في حلها، وسيأتي يوم على الجميع في اتخاذ خطوات قد تكون قاسية ومؤلمة لكنها بالضرورة حتمية.

بطبيعة الحال لا ينكر أحد أن لهذه الاصلاحات ثمنها الاقتصادي على مجتمع الأعمال في المدى القصير وربما المتوسط، لكن الجميع مطالب ببذل ما عليه من أجل الخروج من هذه الفترة التي أثرت على جميع دول العالم وليس على المنطقة فقط.

إن التحدي الرئيسي الذي على دول الخليج مواجهته في سياق تطبيقها لبرامج الاصلاح الاقتصادي يتمثل في أمران. الأول هو مدى سرعة وشمولية تطبيق الاصلاحات الاقتصادية، فالعلاج بالصدمة، بمعنى إجراء الاصلاحات دفعة واحدة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وهو لا يتفق مع الطبيعة المتحفظة والمتأنية لسياسات دول المنطقة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، وحتى الطبيعة المحافظة والرصينة للمجتمع الخليجي. لذا وجب المضي في تطبيق السياسات والبرامج الاصلاحية وفق جداول زمنية تراعي التدرج لمنح مجتمع الأعمال والمستهلكين فرصة التأقلم معها دون هزات قد تعصف بالمكتسبات التي تحققت طوال الفترة الماضية.

أما الأمر الثاني فهو مدى شمولية الاصلاحات الاقتصادية، وليس اقتصارها فقط على زيادة الايرادات وترشيد النفقات، أي على الجوانب المالية دون أن تمتد لتطال طبيعة وهيكل النشاط الاقتصادي في دول الخليج بحيث تطلق الحرية لممكنات النمو الاقتصادي عبر القطاع الخاص لقيادة مسيرة التنمية الاقتصادية، بما يتطلب هذا من إعادة تعريف دور القطاع العام كموجه ومنظم للنشاطات الاقتصادية وليس كممارس لها. إن إقامة شراكة حقيقية وواعية بين القطاعين العام ستمكن دول المنطقة بالاحتفال يوما ما بتصدير آخر برميل نفط لديها.


a.mohesin@economic.rak.ae