.




بلاد عجائب نشأة اللغة



*جريدة الخليج



عبد اللطيف الزبيدي:

سؤال: ما هو أشدّ مباحث علوم اللغة تشويقاً، وأعمقها تحقيقاً، وأصعبها تطويقاً؟ أليست نشأة اللغة؟ النحو والصرف والبلاغة والبديع والمعاني وما إليها، كلّها عند بحوث نشأة اللغة تسلية. جمالها يكمن في أنها تقع في آفاق البحث عن الحقيقة، وهذه الحسناء ذات تدلّل وتمنّع عن الوصال.


نشأة كل لغة عروس بحر. آليّات البحث متطابقة في كل الألسنة، ما يختلف هو الأشكال الخارجية التي تعقّدها معطيات التاريخ والجغرافيا. ألا ترى في الفحوص الطبّيّة أجسام الناس جميعاً سواسية، ولكنهم لغات شتى وخلفيّات اجتماعيّة وثقافيّة وحضاريّة ودينيّة وجغرافيّة وتاريخية تكاد لا تحصر؟ تنسى كل هذه الخصوصيّات إذا سلكت دروب البحث عن أصل الإنسان ونشأة الحياة، لكن الأمر ليس بالسهل. خذ العربية مثلاً. عندما تتحدث عن الأصل، ستجدك أمام أسئلة علميّة فلسفيّة لا تخلو من حيرة طريفة. الأصل عند العلماء والفلاسفة، هو النتيجة، بمعنى كل المكوّنات التي أدّت في نهاية المطاف إلى ظهور الشكل النهائيّ، وبالتالي فهي ليست الأصل، لاختلافها عنه، كلغة عاد وثمود واللغات الساميّة، فإذا قلت إن النتيجة هي الأصل، وقعت في تناقض مضحك، فكأنك تقول إن خلافات النحويين البصريين والكوفيين سبقت وجودهم بعصور. لا يُعقل أيضاً أن تكون لغة قريش هي أصل العربية، لأنها نتيجة عاقبة، تجمّعت فيها روافد مختلفة سابقة. حين نفحص ما جمعه اللغويون بين القرنين الأوّل والرابع الهجريين، وهي مدّة بعيدة جدّاً من الجاهليّات الأولى، وكانوا لانعدام المنهجيّة التحقيقيّة كحاطب ليل، نعلم أننا لسنا أمام أصل، وإنمّا أمام مصبّ روافد متباينة، ولا أدلّ على ذلك من كثرة المرادفات، التي لا يقبلها العقل كدليل قاطع على ثراء اللغة. ثروات العربية أعظم بكثير من أن نحصرها في الزهو بكثرة المترادف.


نشأة اللغة العربية تتمثل روائع توافقاتها النغميّة التلقائية (الفطريّة، البنيويّة، السليقيّة) في أنها تشكّلت لدى أقوام قدامى في عصور غابرة، لم تكن لهم أيّ دراية بعلوم اللغة واللسانيات. كيف تعارف الأوائل على أنظمة إعجازيّة تحيّر علماء اللغة وفقهاءها على مرّ القرون؟ كيف توافقوا عرفيّاً على أن يكون الجذر الثلاثيّ مَلك اللغة؟ كيف اتفقوا على الاستغناء عن الثنائيّ الذي كان منتشراً أو سائداً في اللغات العربية القديمة وحصروه في الأدوات (من، في، لن...) وقليل من المفردات (فم، دم...)؟


لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبيّة: ما يزعج علماء اللغة الأكاديميين، هو أنهم مجرّد مكتشفين لأسرار اللغة التي نشأت وتكاملت بين أقوام أميّين تماماً.