.
رسائل لم تصل
*جريدة الخليج
خيري منصور:
لا أحد يزعم أن المثقف العربي في العقود الأربعة الأخيرة على الأقل قام بدوره المنوط به تاريخياً ووطنياً وأخلاقياً، وهو ليس وحده المسؤول عن التقصير، بل البيئة التي يعيش فيها وما تشكو منه سواء تعلق الأمر بتفشي الأمية أو مجمل الظروف الاجتماعية والاقتصادية وما انتهت إليه من حصار وأزمات، ولكي يملك أحدنا الحق في تقييم دور المثقفين في النطاق القومي كله عليه ألا يعطي أحكاماً انطباعية تحكمها ردود الأفعال، فثمة مثقفون أدوا ما عليهم قدر ما استطاعوا لكن إنصافهم بقي مؤجلاً بسبب اختلاط الأوراق وما تمارسه الميديا من تشويش، والفرز ليس مهمة الهواة، لأنه يتطلب محترفين على دراية بكل ما قيل أو نشر خلال عدة عقود، ووضع المثقفين جميعاً في قارب واحد به الكثير من التجني الذي قد يصل حد الافتراء، خصوصاً بالنسبة لمن رحلوا.
فهل هناك رسائل ضلت السبيل إلى المرسل إليه وهو القارئ العربي؟ أم أن سعاة البريد أضاعوها؟
ولو عدنا قليلاً إلى الوراء لفوجئنا بأن هناك من قرعوا الأجراس مبكراً محذرين من حروب الطوائف ومن صراع الهويات الفرعية ومنهم أيضاً من استشرفوا أحداثاً قبل وقوعها، ليس لأنهم أشبه بزرقاء اليمامة التي رأت ما لم يره قومها، ولكن من خلال البصيرة أو الاستبصار، بمعنى أدق، لإدراكهم أن سحابة الدخان لن تمطر وأن من يزرع الأشواك لن يجني القمح ما دام كل إناء، كما يقال، ينضح بما فيه وما فاض منه فقط!
إن معادلة المرسل والمرسل إليه «رقصة تانغو» لا يمكن لطرف واحد أن يمارسها بمفرده إلا إذا فعل ذلك مع ظله كمن يحاول عبثاً أن يصافح نفسه!
والخلل الذي أصاب هذه المعادلة يتلخص في أن الكثير من الرسائل لم تصل رغم وضوح العنوان، إما بسبب العزوف عن القراءة أو انعدام الثقة بالكلمة المكتوبة بعد أن أصبح الزبد يطفو على السطح، وبعد أن أصبحت الازدواجية بين المقول والمفعول وبائية!