.



جيل الموسوعيّين


*جريدة الخليج


خيري منصور:

هل أنهى عصر التخصص، وما يسمى معرفة كل شيء عن موضوع واحد جيل الموسوعيّين؟ وهل قدم لنا التخصص تعويضاً عن هؤلاء الذين تعاملوا مع غابة المعرفة وليس مع أشجار متفرقة فيها؟


هناك من يرى أن ما كانت تنعم به الأجيال السابقة من الوقت وفائض الفراغ هو أحد أسباب الانصراف التام إلى القراءة والبحث، إضافة إلى التأمل.


وهناك بالمقابل من يرون أن التقدم العلمي المتسارع والكشوفات المتعاقبة لم تعد تتيح للإنسان أن يقطف من كل بستان وردة، وأن التخصص يحقق من المنجزات ما لا يحققه سواه، ويستشهدون بالمقارنة بين الطبيب العام والطبيب الجراح المتخصص في عضو واحد من الجسد.


لكن المعرفة في مجال العلوم الإنسانية والتاريخ وفلسفة الحضارات ليست كذلك، لأن التداخل يصل ذروته في هذه الميادين ومن المتعذر التعامل مع ظاهرة بمعزل عن الظواهر الأخرى، تماماً كما هو الربط بين الاقتصاد والسياسة، وبين التربية والثقافة.


وفي تاريخنا العربي كان للموسوعيين الذين كتبوا في كل مجالات المعرفة دور في التنوير والإحاطة البانورامية بكل ما يتناولونه، ومنهم من كان يصعب فك الاشتباك بين كونه أديباً بليغاً وعالماً.


وقد يكون آخر هؤلاء هم رواد التحديث في النصف الأول من القرن العشرين والذين رحلوا، لكن ما أنجزوه لم يرحل ولن يغيب.


وهناك اليوم من العلماء والباحثين في الغرب من يدافعون عن الثقافة الموسوعية الشاملة، رغم انحياز بعضهم للتخصص خصوصاً في العلوم، فالتخصص لا يعني معرفة كل شيء عن موضوع واحد والجهل بكل ما عداه، ولم يعد الآن هناك اقتصاد مستقل عن الأنشطة الأخرى، كما أن علمي النفس والاجتماع تمددا وأصبح هناك علم نفس سياسي واجتماعي وتربوي، فهل أصبح عالمنا الذي أفرط في التخصص يشتاق إلى الموسوعيين؟