.






بطالة المثقف


*جريدة الخليج


خيري منصور:


يبدو أن هناك ظواهر في حياتنا أصبحت بحاجة إلى إعادة تعريف لفرط ما تداولناها على نحو مجازي، وفي مقدمتها الثقافة، فهي رغم اشتقاقها من الزراعة سواء في لغتنا حيث تعني تثقيف النخيل والرماح، أو في اللغة الإنجليزية فإنها شأن معظم المصطلحات التي غادرت دلالاتها المعجمية، وهناك من يرون في الثقافة المرادف للحضارة كلها كالشاعر ت.س. إليوت وبطالة المثقف ليست كسائر البطالات لأنه قد ينتج عشرات الكتب وشعر بالبطالة إذا لم يكن متفاعلاً مع محيطه.


وحين أراد أرنست هيمنجواي أن يعبر عن المعنى المضاد وغير المألوف للبطالة روى قصة عن جار له مر به وهو منشغل في تشذيب الحديقة ويقطر العرق من جبينه، فقال له معتذراً: لم أكن أعرف أنك مشغول، وسأزورك في وقت آخر، لكن هيمنجواي مسح العرق عن جبينه وقال ضاحكاً لجاره: تفضل فأنا لست مشغولاً!


وتكررت الحكاية بعد أشهر عندما مر الرجل بمنزل هيمنجواي فوجده مستلقياً على أرجوحة ويتأمل السماء، فقال له لن أعتذر هذه المرة ما دمت غير مشغول بشيء، وفاجأه هيمنجواي بقوله: «أنا الذي أعتذر عن استقبالك لأنني مشغول جداً في تحديد مصائر شخوص الرواية التي أكتبها»!


هكذا نشأ سوء الفهم حول بطالة المثقف، فالعمل الجسدي بالنسبة إليه هو الفراغ والراحة، لكن التأمل والعمل الذهني هو ذروة الانهماك، لهذا فإن من يتصورون أن المثقفين لا يدركون ما قصد إليه هيمنجواي عندما اعتذر لجاره عن استقباله.


إن بطالة المثقف تتجلى في إحساسه بأن ما يقوم به لا يحدث تأثيراً وأن يرقص مع ظله، لهذا كان المثقفون على الدوام مشاركين أساسيين في شجون أوطانهم ولهم آراء في الراهن من الأحداث.


وإذا كانت هناك بطالة مقنعة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإن للبطالة الثقافية أيضاً قناعها!


وما أكثر هذه الأقنعة المزخرفة في أيامنا، لأن ما يجري من حولنا وتحت أقدامنا يتطلب من المثقف مواقف سياسية وأخلاقية وتاريخية إضافة إلى إبداعه!