.
إحساس «صغيرة»
*جريدة الخليج
نور المحمود:
حين تجلس في أحد المقاهي طلباً للاسترخاء وارتشاف القهوة، لا تكون جالساً بمفردك أبداً، ولا تكون أفكارك هي شريكتك الوحيدة في هذه الجلسة. كل الطاولات شبه متلاصقة، والمسافة القصيرة بينها تتيح لك أن تتأمل الآخرين، كما تسمح لكلامهم أن يطير ويحط في أذنيك مباشرة.
في ذلك اليوم، اختارت فتاة صغيرة أن تجلس مع أمها بالقرب من طاولتي، وبتنا وكأننا نتشارك «الصبحية» معاً. جميلة تلك الصغيرة وهي تختار ما تشاء، وتتعامل مع أمها وكأنهما صديقتان.
مهما حاولت الطفلة أن تخفض صوتها، إلا أن حماستها تجعل الكلام يحلق عالياً، فهي سعيدة بوجودها مع أمها وحدهما في مقهى هي اختارته، تتبادل معها الحديث وكأنها فتاة ناضجة. وفي لحظة ما، أحسست بها ناضجة فعلاً. خصوصاً حين سألت أمها: لماذا نشعر دائماً بأننا نريد أن نعود إلى الوراء، وأن نكون أصغر سناً؟
سؤال فاجأ الأم، وأذهلني فصرت فضولية أريد أن أسمع أكثر، وأفهم إلى أين تريد أن تصل الصغيرة! فأجابت الأم: لماذا تسألين عن العودة إلى الوراء ولم تتجاوزي بعد العشرة أعوام؟
} ألا تشعرين بذلك أنت أيضاً يا أمي؟
- بلى، ينتابني هذا الإحساس أحياناً.
} أنا أيضاً، أتمنى أحياناً لو أنني ما زلت صغيرة، لأنني تغيرت وفقدت أشياء كانت جميلة.
- وماذا فقدت يا حبيبتي؟ ما زلت صغيرة والعمر أمامك طويل إن شاء الله.
} حين أنظر إلى صوري، أحس أنني كنت أجمل من اليوم، وكنت أحب ألعابي والدمى التي كانت منتشرة في غرفتي. اليوم لم أعد كذلك، صارت أشيائي كبيرة، وساعات اللعب قليلة، والواجبات كثيرة. لم أعد طفلة لا همّ لديها سوى الضحك ومشاهدة التلفزيون والرسم والنوم.. صرت أفكر في أشياء كثيرة وأخاف من أشياء كثيرة.
- إحساسك بالخوف طبيعي، لأنك صرت تفكرين بعمق، لم تعد الأمور سطحية وبريئة وبسيطة، تعرفين اليوم أن هناك خيراً وهناك شراً، هناك أشياء يجب الحذر منها، والتفكير ملياً قبل التصرف أو القول في بعض المواقف، ويجب التعامل مع الغرباء بحذر، وانتقاء الأصدقاء.
} حتى الأصدقاء يا أمي، بالماضي كان كل زملائي هم أصدقائي، اليوم انقسمنا علماً بأننا ما زلنا في نفس المدرسة، نكبر معاً، ونلعب معاً. صار هناك تجمعات للبنات، وفرق وتفريق بين هذه وتلك، وفلانة تحب فلانة وهذه تكره علاّنة.
- وكلما كبرت ستضيق دائرة الأصدقاء أكثر، إنها طبيعة البشر وربما طبيعة الحياة.
} لذلك أتمنى لو أنني أصغر سناً، ولو يعود بي الزمن إلى الوراء. وألاحظ أن الكبار أيضاً يتمنون ذلك، فكثيراً ما تقولون لنا «ليتنا نعود صغاراً مثلكم»! لماذا نشعر بهذا الإحساس؟
انتهى الحوار بين الأم وابنتها عند نقطة الاستفهام تلك، وغادرتا بينما أنا مندهشة من إحساس عبرت عنه الصغيرة ببراءة، يحكي حالنا جميعاً، وكأن حلم العودة إلى الوراء يبدأ من الطفولة ولا ينتهي.