عصابات منحرفة.. تتربص بالصغار عبر وسائل التواصل




الخليج - جيهان شعيب

تحذير.. تنبيه.. إنذار.. لأولياء الأمور جميعاً، أفيقوا.. افتحوا عيونكم جيدا، وأرهفوا السمع، ودققوا في كل ما يحيط بأبنائكم، ومع كل ما يتعاملون معه، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي التي تأتي على رأس المصائب المحيقة بصغارنا، فالأجواء الإلكترونية المفتوحة، والمواقع المشبوهة، أضحت الشر القائم لا محالة، وللقول أسبابه:
صغير في الثالثة عشرة من العمر كان يهوى الرسم، ويضع رسوماته على حسابه في «تويتر»، فدلف أحدهم إلى موقع الصغير، وبدأ في مراسلته، وبمرور الوقت بدأ في اجتذابه بإبداء إعجابه الشديد برسوماته، فصدقه الصغير، وبدأ في إرسال نماذج من أعماله الفنية له، وتدريجيا طلب الشخص المجهول من الصغير صورته لينشر عنه، فلبى سريعا والسعادة تمتلكه، وبعد فترة من ذلك ليست بالطويلة اختلف حديث المجهول مع الصغير، وأخذ صورة مغايرة، حيث أخبر الصغير البريء بحبه له، وطلب منه إرسال صورته وهو «عار»، فتوقف الصغير عن مراسلته، في الوقت الذي سارع فيه لإخبار أمه بالقصة، بعدما بدأ المجهول في تهديده - إن لم يذعن- بالضرب، والتشويه، وإخبار زملائه في المدرسة عن أنه منحرف وخلافه، فسارعت الأم بإبلاغ الشرطة، التي حصلت من الصغير على حساب المجهول، وبدأت في مراقبته، واكتشفت أن هناك خمسين طفلا آخرين قام باستدراجهم، وأوقعهم في شبكته اللاأخلاقية.
الواقعة وإن كانت ليست الأولى التي تم ضبطها، إلا أنها تفتح باب الخوف على الأبناء على مصراعيه مما يمكن أن يحدث لهم عبر وسائل التواصل، وتنبئ بأن هناك من يتربص بهم إن لم يكن بالمخدرات، فبالإيقاع في الأفعال الخارجة، والموبقات على اختلافها، من التحرش بهم، والاعتداء الجنسي عليهم، وابتزازهم، ولأن سقف العيب يظلل أغلب البيوت، والمرفوض والمحظور الحديث فيه لا يمكن حصره من أفعال وأقوال، يصبح الخوف متضاعفا لدى الضحية من الصغار، إذ في فتح الفم بالإفصاح عما تعرض له، ما سيأخذ به إلى ملامة من حوله له، وربما إدانتهم، بأنه فرط في نفسه، أو أنه فتح المجال للتعدي عليه، واستدراجه، والى غير ذلك، مما يدفعه دفعا إلى التراجع، مفضلا الانغلاق على نفسه بمصيبته، والانزواء عمن حوله، والنتيجة مزيد من ابتزازه من قبل المتحرش به، والمعتدي عليه، وتوالي سقوطه في براثنه.


الصمت عن هذه الوقائع الكارثية، يعد كارثة في حد ذاته، والإفصاح الهادف إلى البحث عن حلول، والتفتيش في الجوانب المظلمة لوسائل التواصل التي يتعامل معها الأبناء، من الأهمية بشكل رئيسي وأساسي، فيما - وعلى صعيد متواز- صنفت إحدى الدراسات الجرائم الإلكترونية بأنها في الأساس جرائم أخلاقية، تمس الجانب القيمي، وتشمل حث وتحريض القاصرين على أنشطة جنسية، وإغواء القاصرين لارتكاب أنشطة جنسية غير مشروعة، وتلقي أو نشر المعلومات عن القاصرين عبر الكمبيوتر من أجل أنشطة جنسية غير مشروعة، أو تصوير أو إظهار القاصرين ضمن هذه الأنشطة، وإن القانون وحده لن يقضي على هذا النوع من الجرائم، بما يترتب الاهتمام بموضوعات القيم و الأخلاق، والتحديات المعاصرة التي تهدد قيم المجتمع، وانعكاس ذلك على التعليم.

خفية وخطيرة
وفي ذلك يلفت القاضي أحمد محمد الخاطري رئيس دائرة محاكم رأس الخيمة إلى أن هذه الجرائم خطيرة وخفية، يتفاجأ بها المجتمع من حين لآخر، وتأثيراتها خطيرة جدا على الضحايا، وتفاقمها، يؤدي أحيانا إلى وصولها لمرحلة يصعب تطويقها، لأن الضحية عندما يقع فيها يمتنع عن التبليغ، بما يعني أن مؤشر هذه القضايا لن يكون صحيحا، الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من الوعي، وطمأنة الذين وقعوا في الفخ، وتشجيعهم على اللجوء إلى السلطات، مع توفير ضمانة تشريعية لهم من العقوبة، إذا كان رجوعهم ذاتيا بفعل الضمير وخلافه، ولا بد أيضا من إيجاد مؤسسات تعمل على ضبط هذه العصابات، وقطع الاتصال على من يستخدم المواقع الشريرة، لا سيما مع وجوب الاهتمام بهذه القضايا، ذات الأبعاد الخطيرة، التي تتعلق بخسارة الثروة البشرية.
ويرفع أصبع الاتهام إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تستغلها العصابات الإجرامية، مؤكدا أن خطورتها لا تقتصر على استغلالها في الإفساد الأخلاقي، وإنما في إفساد الفكر كذلك، مشيراً في هذا الصدد إلى من أغوتهم التنظيمات الإرهابية من خلال وسائل التواصل، واصلاً للقول: على مؤسسات المجتمع المدني التفكير بصوت أكثر وضوحا، وصراحة، لنستطيع تحصين النشء من جرائم هذه العصابات، التي من خلال هذه الوسائل تستطيع الانفراد بالضحية في أي وقت بغفلة عن المحيطين به.

حاجز الحياء
وعلى الوجه المقابل يرى النقيب محمد الدرمكي من قسم الخدمات الإلكترونية والاتصالات في شرطة الفجيرة أن الابتزاز الرقمي هو عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور أو (فيديو)، أو تسريب معلومات سرية تخص الضحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل دفع مبالغ مالية، أو استغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة لصالح (المبتزين)، كالإفصاح عن معلومات سرية خاصة بجهة العمل، أو غيرها من الأعمال غير القانونية.
ويعدد أنواع الابتزاز الرقمي ما بين ما هو مادي، وعاطفي، وجنسي، ووظيفي، وأمني، وفكري، وإرهابي، مبينا أنه عادة يتم تصيد الضحايا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ك«إنستجرام»، و«فيسبوك»، و«تويتر»، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي نظرًا لانتشارها الواسع واستخدامها الكبير من قبل جميع فئات المجتمع، وأن مراحل الابتزاز الرقمي تتمثل في دخول الشخص لمواقع التواصل الاجتماعي، والتعرف والتحدث مع الغرباء، ثم المشاركة والتواصل في أمور خاصة وتبادل المعلومات والصور، ومن ثم البدء في الابتزاز، ودخول المجني عليه في صدمة نفسية، والاندراج نحو مطالب المبتز خوفاً من العار.
ويصل للقول: حالياً انتشر استهداف وابتزاز فئة صغار السن والأطفال، لذا لا بد من تكثيف الدور التوعوي والرقابي من أولياء الأمور، ولا بد من الجرأة في التحدث مع الأبناء عن طريق كسر حاجز الحياء، وسرد بعض قضايا الابتزاز التي حصلت أمامهم، وتجنب إهمالهم خاصة عند ظهور بعض العلامات كالتغير المفاجئ في سلوكياتهم، والانطوائية، والسرحان، ونناشد الأفراد بضرورة اتباع عدد من الطرق منها، البلاغ عن حساب المبتز في شبكة التواصل الاجتماعي الذي تم الابتزاز منه، والإبلاغ عن المبتز عن طريق الجهات المختصة كخدمة الأمان في إمارة أبوظبي بالاتصال على الهاتف المجاني 2626 800، وخدمة الأمين في إمارة دبي بالاتصال على الهاتف المجاني 4888 800، وخدمة النجيد في إمارة الشارقة بالاتصال على الهاتف المجاني 800515.

تنوير عقولهم
لا شك أن سقف «العيب» المنخفض إلى حد كبير وراء تراجع معظم الأسر عن الحديث مع الأبناء حول كثير من المواقف والأمور التي يمكن أن يتعرضوا لها، وكيفية التصرف فيها، ومن هذا المنطلق تتسلل عصابات الانحرافات على اختلافها إلى صغارنا، ليقينهم بأنه لا مجال لديهم لإبلاغ أسرهم بما يتعرضون له، والنتيجة مزيد من السقوط في براثنهم، بما يتطلب الوقوف أمام واقع «العيب»، وغير المسموح به، أو الجائز الحديث عنه، لفتح باب المصارحة، والتصارح، وكشف المستور، لتنوير عقول الأبناء، وتفتيح بصرهم، وبصيرتهم، حول ما يحاك حولهم ولهم، لمساعدتهم على التصدي له، وحمايتهم من الوقوع فيه، وهنا يقول المهندس فتحي عفانة سفير الأسرة العربية: للأسف الخجل من الحديث حول كثير من الأمور وراء ما قد يقع فيه الأبناء دون وعي أو دراية بالعواقب، والنتائج، جراء التعتيم الذي يتعامل به معهم أولياء الأمور حول كثير من القضايا الحياتية، وعدم توضيحها لهم، بزعم الحياء، وغير الجائز، بما يؤدي لجهلهم بكيفية التصرف فيها، لذا فمن المطلوب بشكل حتمي توضيح كل تفاصيل القضايا، والأمور، والسلوكيات على اختلافها لهم، لتكريس وتعزيز الوعي المطلوب لديهم، وتوعيتهم بوجوب المصارحة، والإفصاح عن أي مما قد يواجههم، وما قد يتعرضون له، للإسراع بنجدتهم، وللحيلولة دون إسقاطهم في الخطأ من قبل العصابات اللا أخلاقية، التي تستغل سذاجة الصغار، وجهلهم بعواقب الأمور.
ولا بد أن تعلو الأسر بسقف التعامل مع الأبناء حول كثير من القضايا الواجب كشفها، وتوضيح تفاصيلها لهم، دون خجل، أو تراجع، لأن في كشف المستور بأسلوب أخلاقي مبسط، يقيهم من الكثير غير الصحيح الذي قد يحاك لهم في الظلام من الأيدي السوداء.

ضرورة التبليغ
ولأن للجهات المعنية بالناشئة والأطفال دورا كبيرا في حماية الأبناء من السقوط في براثن أي ممن يستهدفهم، يأتي رأي محمد راشد رشود نائب رئيس مجلس أولياء أمور مدينة دبا الحصن بأن تعلق الأطفال الناشئة بالإنترنت، وجلوسهم الطويل على الأجهزة، أدى إلى إدمانهم عليها، مما عرضهم إلى مخاطر في السلوك والصحة، مشيرا إلى انه بالرغم من اجتهاد السلطات في الدولة لعمل رقابة إلكترونية لاستدراج مرتكبي الجرائم الإلكترونية ضد الأطفال والناشئة، وقيام الجهات المسؤولة عن الطفل والناشئة بالتوعية ضد مخاطر استخدام الإنترنت، وبيان الطريقة المثلى للتعامل معه، إلا أنه هناك ضحايا من الأبناء وقعوا ضحية التحرش والابتزاز، بما يؤكد دور الأسرة الأساسي في البيت من التوعية، وتعويد الطفل منذ الصغر على عدم الخجل، ومنحه الثقة بالنفس، وتشجيعه على الإبلاغ عن أي شيء يحدث له، فيما لا يعتبر عدم تبليغ الأسرة للجهات المختصة عن أي شيء يتعرض له الطفل وصمة عار في جبينها، وإنما الصمت وتجاهل هذه الأمور يؤدي إلى تفاقم المشكلة، ويسهم في جعل الأطفال عرضة للانحراف السلوكي.
ويجب على الأسرة وضع أجهزة الحاسوب في مكان عام في المنزل، وإتاحة رؤية الشاشة لجميع من فيه، لمعرفة المواقع التي يطلع عليها الأبناء، مع وجوب معرفة أولياء الأمور بكلمة المرور الخاصة بأجهزة وحسابات الأبناء، وتأمين الأجهزة التي يستخدمونها لمنع المخترقين، مع عدم السماح لهم بالدخول في مواقع مشبوهة، والإبلاغ عن أي محاولة ابتزاز يتعرض لها أي منهم، وعلى المؤسسات المسؤولة عن الطفل والناشئة تكثيف التوعية من خلال المحاضرات والورش في هذا الجانب، على أن يكون هناك دور لمؤسسات المجتمع مثل المدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام المختلفة وغيرها، من خلال المحاضرات، والورش، والنشرات، والتوعية في الطرقات والشوارع والأماكن العامة، و مراكز الطفل والناشئة في بيان الآثار السلبية الناتجة عن الاستخدام الخاطئ للإنترنت.

مخاطر عديدة
تبعاً لشركة «سيمانتك» الأمريكية لحماية الشبكة الإلكترونية، حول تعرض الأطفال لمواقف سلبية عبر (الإنترنت)، فهناك مخاطر صحية، وأخرى تتعلق بخسارة بيانات، ومخاطر عن التعرض لتحرشات جنسية ومضايقات، ومخاطر خسارة صور عائلية وإمكانية التعرض لابتزاز، فيما أوضح التقرير أن الأرقام حول ذلك تبقى غير واضحة.
وقالت شركة «سيمانتك» إن المعدل السنوي لكلفة الجرائم الإلكترونية حول العالم يبلغ 114 مليار دولار،
وأصدرت الشركة تقريراً بعنوان «نورتون سايبر كرايم 2011» وهو أكبر تقرير من نوعه حول كلفة الجرائم الإلكترونية، خلصت فيه إلى أن 431 مليون بالغ حول العالم كانوا ضحية للتهديدات الإلكترونية عام 2010 أي ما معدله مليون ضحية يوميا و14 في الثانية، قائلة إن كلفة الجرائم الإلكترونية وقتذاك تجاوزت قيمة السوق السوداء للماريجوانا والكوكايين والهيروين والتي تبلغ 288 مليار دولار.
كما ذكر التقرير أن ثلثي البالغين حول العالم أي 69% كانوا ضحايا للجرائم الإلكترونية في حياتهم، وأظهرت النتائج أيضاً أن 10% من البالغين تعرضوا لجرائم إلكترونية على هواتفهم النقالة، وأن عدد البالغين الذين عانوا من الجرائم الإلكترونية تضاعف ثلاث مرات، وأكد أن الجريمة الإلكترونية شائعة أكثر مما يعتقد الناس.
ووفقا لحديث سابق، روى فيصل الشمري أن هناك قصة حقيقية، تدور حول تعامل الشرطة الكندية مع طفل كان شبه مدمن على استخدام ألعاب (الإنترنت) المرتبطة بالشبكات، وقام أبوه وأمه بسحب الجهاز منه، وفجأة اختفى الطفل، لكنهم وجدوه متوفىً نتيجة سقوطه من شجرة، وإحدى الفرضيات التي قامت في بنائها الشرطة للتعامل مع القضية، بينت أن الطفل تمت تهيئته والتغرير به لأغراض الاستغلال الجنسي عن طريق اللعبة التي كان يلعبها، متسائلا كم ولي أمر يعرف ما الذي يلعبه ابنه ومع من؟ وما الذي يستخدمه ابنه أو ابنته على (الإنترنت)؟ وما الذي تصوره كاميرا (الإنترنت) في غرفة النوم، وكم ولي أمر يعلم أنه يمكن اختراق الجهاز واستخدام الكاميرا بدون أن يعلم أحد بذلك؟

الثقافة القانونية
أكدت دراسة أن الجامعات يمكن أن تقوم بأدوار متعددة في ما يتعلق بمواجهة الجريمة الإلكترونية بين الطلاب، حيث يمكن إدخال مادة الثقافة القانونية، بحيث تكون عامة عليهم، وأن تتناول في بعض أجزائها الجوانب القانونية، والتشريعية للجرائم الإلكترونية، بحيث يتعرف الطلاب من خلالها على القوانين المرتبطة بهذا النوع من الجرائم، وكذلك الإجراءات القانونية التي يمكن اتباعها في حالة التعرض لها.
وطالبت بإدخال موضوع الجرائم الإلكترونية من زوايا مختلفة في بعض المقررات، مؤكدة على وجوب التركيز في التدريس على تنمية التفكير الإبداعي، وليس فقط على معرفة استخدام هذه التكنولوجيا؛ لأن المعلومات والوسائل التكنولوجية في تغير وتطوير مستمر، ويجب التركيز على تنمية القدرات العقلية، والتفكير العلمي والإبداعي لدى الطلاب، والحرص على مبدأ التعليم والتثقيف الذاتي، حتى يمكن إعداد جيل قادر على التعامل مع لغة العصر، وعلى تطوير وسائل التكنولوجيا التي تخدم المجتمع وتحمي أمنه؛ وحتى يتكون الطالب الذي لديه قدرة على اتخاذ القرارات، والتصدي للتيارات الفكرية المعادية، وغيرها من الجرائم اللا أخلاقية.
وشددت الدراسة على أهمية توعية الطلاب بالجرائم المعلوماتية من خلال عدم الدخول إلى المواقع المشبوهة ومنها مواقع المحادثة، وغيرها، وإرشادهم إلى الإجراءات القانونية التي يمكن اتباعها عند تعرضهم لمثل هذه الجرائم.