.
روح الكتابة
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
«عَقّد» عباس العقاد رجالات الفكر والأدب في زمنه، ولم يكن معه سوى شهادة الإعدادية، لكن رجل العبقريات الصعبة هذا لم يكن في حاجة إلى شهادة ليكون العقّاد. ذهب فقط إلى القوة المستيقظة في داخله، واستعار من مصر قوة الهرم ورسوخه في الجغرافيا والتاريخ، ولم يتماثل إلا مع نفسه، أو مع الشخصيات العبقرية التي استعادها بقلم أدبي استثنائي. قلم واحد أسس ظاهرة ثقافية أدبية قائمة أولاً على الفكر ونبوغ القراءة، وظلت شهادة الإعدادية في خزانة خشبية عتيقة.
ونحسب أن الرجل الصعب هذا لم يعلق «كرتونة» على جدار، بل علق نياشين «ليست لامعة» على كتفيه من دون أن يتفضل أحد بها عليه، وبكلمة ثانية، أعطى مفهوم الثقافة معنى السلطة، ولكنه المعنى الناعم والنبيل للسلطة التي تمتلئ بكل ما هو إنساني وجميل، عندما تكون سلطة قائمة على الثقافة بمعناها الإنساني العبقري الرحب.
البرتغالي خوسيه ساراماجو، هو الآخر جعل من الرواية شكلاً من أشكال السلطة، ولنقل شكلاً من أشكال الكتابة التي دائماً هي عنصر تحقيق الذات، وتحقيق التوازن النفسي أولاً، فالكتابة امتلاء والكتابة اكتمال.
اكتمال صاحب رواية «العمى»، كان عبر عبقرية روحه الكاتبة، وكم من الكتابات جاءت من ساراماجو، ولكنها لم تأت على مؤهلاته الجامعية. كان صانع مفاتيح.. مهنة ترمز في حالة هذا الروائي البرتغالي، الذي عرف ببلاده أكثر مما عرف بها السياسيون والمزارعون والتجار إلى الفتح والدخول مهنة رجل أربعيني بدأ يكتب بعد هذه السن الأقرب إلى الوسطى في عمر الإنسان. وسوف ينفتح أمامه باب نوبل بقلم، وليس بمفتاح.. تنفتح أمامه أيضاً السلطة، ومرة ثانية، سلطة الكتابة، القوة المواربة دائماً. قوة الظل، وقوة العزلة التي يوجدها الانقطاع المنظم للكتابة.. مثل بحار يعود في آخر الليل إلى سفينة في مرفأ صغير عتيق مثل علبة معبأة بخرز أزرق مستعار من البحر.
استعار حنا مينة «الأزرق» من البحر. هو أيضاً لم يكن في حاجة حتى إلى إعدادية، وفيه شيء من العقاد ومن ساراماجو، كما في الكثير من كتاب العالم «أشياء» من كتاب آخرين. عائلة تستعير من بعضها البعض. عائلة استعارية، أو، عائلة ضمنية.
من حلاق، ربما قليل الكلام، إلى حمال في ميناء إلى بحار صغير، وقبل ذلك، من صبي فقير إلى «كاتب» على أكياس الخيش التي ينزلها البحارة من السفن، إلى الميناء، ثم إلى مسافر في اليابسة هذه المرة حتى حدود الصين، وأخيراً هو الروائي. روائي البحر بكل استحقاق وخبرة أرضية بين الماء والتراب، وفي كل هذه السيرة المائية والترابية لم يتحول إلى قبطان، أو إلى قرصان.. اكتفى مثل أفراد عائلته، ومنها صاحب العبقريات وصاحب المفاتيح، بالسلطة، سلطة الكتابة.





رد مع اقتباس