.
افتح الماء.. لا تفتح النار
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
.. لا تظن أن بعض الشعراء، بل، أكثرهم هم من جنس الملائكة، فهؤلاء بشر وليسوا محصنين من الخطيئة والشرّ.. حتى لو كانوا شعراء.. وكأن الشعر حصانة، وكأنه، أحياناً، قناع.
اقرأ ما كتبه بابلو نيرودا في كانون الثاني 1973م.. يقول في مقدمة صغيرة لكتابه «آخر الأشعار»:
«.. ينبغي أن أصبح حارس المكبح في القطار الحديدي، ومسؤول دعاة، ومراقب عمل، وفلاحاً، وموظفاً في مصلحة الغاز، أو مشاجراً مستعداً دائماً للتضارب باستخدام اللكمات..».
أكثر من ذلك، ظهرت منذ سنوات قليلة كتابات مستندة إلى وثائق تقول إن شاعر تشيلي وشاعر الإنسانية والحرية، الدبلوماسي، والمسافر، والعاشق قد تخلى عن ابنة له كانت طفلة، وتعامل معها بقسوة تصل إلى حدّ العنف، بل تخلى عنها وهي الطفلة المعاقة المريضة، ومن هذا الذي يفعل كل هذه الشائنة؟.. إنه، بابلو نيرودا.. شاعر الحب الأيقوني الأبيض الذي جعل من امرأة اسمها ماتيلدا.. نساء العالم.
لم يكن بودلير الفرنسي المتشائم المعقّد، على علاقة جيدة مع أمه، ولك الآن، وأنت تستعيد أسماء مجموعات شعرية فارقة في العالم، مثل مجموعته «أزهار الشر»، لتشعر بالمفارقة القاسية بين الزهرة.. الناعمة الرقيقة الخفيفة العطرية، والشر.. المرعب، الثقيل.
استخدم بعض الشعراء السلاح، وأطلقوا النار على أصدقاء لهم، والأسوأ، هناك من أطلق النار على نفسه، ذلك الفعل الجنوني العدميّ الذي يستهوي بعض الكتّاب.. وهو في كلمة: «جريمة».
كان آرنست همنجواي، الأمريكي والمراسل الصحفي العسكري، ملاكماً قوي البنية وصياداً «عجوزاً» صبوراً.. قوياً على السطح، وضعيفاً في العمق. ولأنه هكذا بين مزدوجين متناقضين أطلق النار على فمه وانتحر بعد مجد صنعته له الكتابة، ومجد آخر، صنعه هو لـ«نوبل».
.. لا تظنّ أن الكاتب مصنوع من الماء والغيوم.. لا يا صاحبي، إنه شرس وانتحاري وجنوني، ولو تعلّم من الناس في ذروة بساطاتهم شيئاً من هدوئهم وسلامهم مع أنفسهم لما كان متوحشاً على نفسه.. ومنقضاً عليها.
قتل تيسير سبول.. تيسير سبول بطلقة مسدس، وقتل خليل حاوي.. خليل حاوي برصاص بندقية صيد، وأمضى علي فودة حياته في الشعر والضحك والحياة، وحين أن لم يعش الحياة اختار شكلاً آخر من التوحش.
الكثير من الشعراء قساة على أنفسهم.. مثل ما قال بابلو نيرودا في قصيدة موظفون في مصلحة الغاز. مشاجرون أو متشاجرون. مستعدون دائماً للتضارب باستخدام اللكمات.
.. في آخر ما كتبه بابلو نيرودا يقول في العالم 1973م:
«.. الآن خذوا حذركم إني أفتح النار».
.. كيف لشاعر أن يفتح النار؟