«قلب الأسد» مواطن خمسيني يروض الجبال ويصطاد الثعابين








الخليج- رأس الخيمة: عدنان عكاشة

هو نسخة إماراتية من «قلب الأسد»، لا يعرف الخوف، ولا يهاب الظلام والوحشة، وما تخبئه ثنايا الجبال، ليلاً أو نهاراً، يلوذ بالجبال وأحضانها من صخب المدن وضجيج الحياة المعاصرة، لسان حاله يردد مع أبي الطيب المتنبي: (ولقد صحبت الوحش في الخلوات منفرداً حتى تعجب مني القور والأكم)، وهو من يصاحب تلك الجبال ويسكنها منذ 40 عاماً.
في سيرته الذاتية، عرف (سيف علي راشد محمد ابن ارشود المزروعي)، 52 عاماً، متزوج ولديه 6 أبناء، 4 بنات وولدان، بالشجاعة والإقدام، وهو سائق حافلات مدرسية سابق، تقاعد في 2009، من أبناء بلدة الغيل، البعيدة حوالي 45 كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة رأس الخيمة.
«الخليج» خاضت، أمس، رحلة جبلية، لتسبر أغوار الرجل وتكشف أسراره، رافقت خلالها «ابن ارشود»، كما يعرف بين الأهالي، والذي ذاع صيته في برامج التواصل الاجتماعي مؤخراً بهذا الاسم، ليس في «الغيل» ورأس الخيمة فحسب، بل على مستوى الإمارات ودول الخليج العربي، ووصلت شهرته و«فيديوهاته» إلى دول عربية وآسيوية، كمصر وباكستان، حيث يحاكي بعض أبنائهما شخصية (ابن ارشود) وحركاته وتقليعاته ومغامراته.


اكتسب «صائد الثعابين» شهرته بمغامراته وتقليعاته في جبال «الغيل»، بخفة دم ورشاقة وسرعة لافتة، وهو في الخمسين من عمره، وعرف المزروعي أيضاً بعبارة يرددها في مقاطع «الفيديو» الخاصة به في الجبال (اخدم ابن ارشود)، والتي بات يقلده بها وبتقليعاته وحركاته كثيرون، وتقال، في اللهجة المحكية في المنطقة، عند إنجاز العمل، وسط مشاعر الحماس، بمعنى (افعل ابن ارشود وانجز العمل)، فيما ينطوي المواطن الخمسيني على مخزون كبير من المعرفة والإلمام بالتراث الإماراتي، وتحديداً الموروث الشعبي «الجبلي»، المرتبط بأبناء القبائل الجبلية الإماراتية، حيث عاشت تلك القبائل طويلاً، ولاتزال متعلقة بالمرتفعات الجبلية، بحبل لا ينقطع.
ولد «قلب الأسد» عام 1966 في منطقة «السقيبة» وسط الجبال، حيث كانت عائلته تعيش قبل الاتحاد، وفي عمر مبكر، لم يتجاوز فيه الثانية عشرة، بدأ رحلاته في الجبال، بما يحفها من مخاطر ورهبة، حيث يمشي في الجبال مسافات شاسعة يومياً، تستغرق ما يتراوح بين 3 ساعات ونصف الساعة و 6 ساعات، دون أن يحمل معه مياه شرب، إذ لا يرتوي خلالها، مكتفياً بما يتزود به قبل انطلاق رحلاته.
ابن ارشود «وابن الجبال»، كما يمكن تسميته، يتخذ استراحة خاصة له في تلك الجبال، على مقربة من مسكن والده الجبلي، الذي شيده عام 1969، تغلب على «استراحته» البساطة وتسودها روح الماضي، وهو لم يأكل في حياته من المطاعم، ولم يتذوق «الوجبات السريعة» مطلقاً، ولا سواها من وجبات المطاعم، وحسبه من الطعام ما يعد ويطهى في البيت، من طعام وأغذية طبيعية، وللعسل الجبلي من بينها نصيب وافر.
يستخدم «ابن الجبال» عصاه، التي لا تكاد تفارقه، في التسلق والمضي في الدروب الجبلية الوعرة والمتعرجة، وله فيها مآرب أخرى، أهمها اصطياد الثعابين وقتلها، تحديداً ما يعرف منها ب«الغول»، التي يهوي على رأسها بطرف العصا، ثم يمسكها ويسيطر عليها.
يقول صديقه ورفيقه في «دروب الجبال»، محمد عبدالله المزروعي، 42 عاماً: إنه يرافق (ابن ارشود) في رحلاته الجبلية اليومية، قاطعين خلالها مسافات كبيرة في جبال المنطقة، بعيداً عن صخب المدن والحياة المدنية، لكنه لا يشعر خلالها بالوقت، ولا يراوده الملل، بسبب روح «ابن رشود» المرحة و«سوالفه» الطيبة، وروحه المعنوية العالية باستمرار، وما يمنح رفقاءه من طاقة إيجابية، يتحلى بها دوماً، مؤكداً «نعود بعد رحلاتنا في بطون الجبال ومرتفعاتها مفعمين بالروح والإيجابية، كأننا لم نقطع مسافة تذكر، ودون أن نشعر بتعب، وسط هواء نقي وطبيعة جبلية بكر».
«قلب الأسد» هو أيضاً باحث محترف عن «العسل» الجبلي وخلاياه في جبال «الغيل». يخرج له، متسلقاً دروب الجبال، صباحاً ومساء، في 3 مواسم لهذا العسل، هي موسم السمر، نهاية إبريل ومايو ويونيو، وموسم السدر، في سبتمبر وأكتوبر، وموسم العشب، شتاء، في حال هطول الأمطار بكميات جيدة.
ينفر سيف المزروعي من صخب المدينة وضجيجها، ويعتزلها كثيراً في جبال منطقته، مفضلاً إياها على أشكال الحياة المعاصرة، وهو لا يحب السفر، ولا يترك منطقته وجباله وحياته التقليدية لأي سبب كان، ولم يترك وطنه الإمارات مسافراً قط، سوى مرة وحيدة في حياته، قاصداً الديار المقدسة، في رحلة حج بداية عام 2006.