.











تواضع الكاتب وغروره





*جريدة الخليج





د. حسن مدن:


يحكى أن الأديب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس، لم يطبع من أول كتاب أصدره سوى 300 نسخة وزعّ ثلثيها على أصدقائه، وأخذ الباقي إلى مجلة كانت تصدر آنذاك، طالباً من مديرها أن يدسّ نسخاً من الكتاب في جيوب معاطف محرري الصحيفة والتي يعلقونها على مكاتبهم، دون أن يلاحظوا ذلك، فلعل هؤلاء المحررين يجدون في ما بين دفتي الكتاب ما يستحق أن يكتبوا عنه؛ تعليقاً أو مطالعة نقدية.


من أورد هذه الحكاية هو الكاتب الشهير جابرييل جارثيا ماركيز في إحدى مقالاته التي حواها كتاب ترجمه إلى العربية صالح علماني، في سياق حديث عما يمكن أن نصفه ب«ثنائية التواضع والغرور» في نظرة الكاتب إلى نفسه.


حين أبصر مدير الجريدة بورخيس قادماً إليه بالنسخ المئة من كتابه، قال له باستهجان: «أتريدني أن أبيع كل هذه النسخ؟»، فرّد الكاتب: «لا. لست مجنوناً لأطلب ذلك»؛ لأنه كان يعلم أو يهجس بأنه بالكاد يخطو خطوته الأولى في طريق الشهرة؛ لذا كان يمتلك تقييماً موضوعياً لنفسه ومستوى كتابته لحظتها جعله لا يطبع أكثر من 300 نسخة من الكتاب أهدى جلّها للأصدقاء.


على خلاف دلالة هذه الحكاية أورد ماركيز حكاية لشاب في الثالثة والعشرين من عمره، كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة أشهر، أتى ماركيز وكان يشعر بالنصر؛ لأنه سلّم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشر.


أبدى ماركيز للشاب حيرته لتسرّعه، وهو ما يزال في بداية الطريق، فرّد عليه باستهتار، حسب قول ماركيز: «أنت عليك أن تفكر كثيراً قبل أن تكتب؛ لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه. أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة؛ لأن قلة من الناس يقرؤونني».


إجابة هذا الشاب ومجمل سلوكه حمل ماركيز على تذكر عبارة لماريو بارجاس يوسا، كان قد قرأها وفيها يقول: «في اللحظة التي يجلس فيها أي كاتب ليكتب، فإنه يقرر ما إذا كان سيصبح كاتباً جيداً أم كاتباً رديئاً»، ملاحظاً أن الشاب المتباهي بدفعه مخطوطة روايته الثانية للنشر، هو من الصنف الثاني؛ أي الذي قرر أن يصبح كاتباً رديئاً.


إن كان من نصيحة نستخلصها من هذا الحديث، فإنه بإيجاز شديد على الكاتب في مقتبل كتابته، أن يكتب لنفسه كثيراً، وأن يؤجل مشاركة الآخرين ما كتبه، عبر النشر، ما أمكنه ذلك، حتى يطمئن إلى أنه بلغ مرحلة تسمح له بالإقدام على مغامرة النشر، وإلا فإنه قرر سلفاً، أن يكون كاتباً رديئاً.