-
1 - 9 - 2019, 11:35 PM
#1
الكتابة.. خزانة العمر
.
الكتابة.. خزانة العمر
** يوسف أبولوز:
في معاينة ما يمكن أن يُسمى أدب اليوميات، أو فن اليوميات، أو ثقافة اليوميات يشار دائماً إلى أن هذا النوع من الكتابة قليل الانتشار في الثقافة العربية، إن لم يكن معدوماً أو أنه مُلاحظ في تجارب محدودة ولا ترقى هذه التجارب إلى ملاحظتها بوصفها ظاهرة في الأدب العربي أو في الكتابة العربية، وإن كان من اجتهاد لشرح قلّة انتشار أو قلّة حضور كتابة اليوميات عربياً في الأدب العربي، فهو اجتهاد مبني على كون القراءة أو ثقافة القراءة هي الأخرى قليلة، فنحن كما يقال عادة لا نقرأ مع التحفظ، بالطبع، على هذه المقولة المعمّمة، وحتى أن الكثير ممّن يكتبون أدباً.. تأتي قراءاتهم محدودة شحيحة، لا بل إن الكثير ممن يعملون في حقل الصحافة الثقافية هم أيضاً لا يقرأون بانتظام.
يمكن، إذاً، توصيف علاقة ما.. بين القراءة، وبين غياب كتابة اليوميات، فالقراءة اليومية هي محرّض تلقائي على الكتابة اليومية أو كتابة اليوميات.
القراءة المنتظمة، عتبة مؤدية، بالضرورية إلى الكتابة المنتظمة، وبالطبع لن نكون متشائمين أو نطلق الأحكام جزافاً كما يقولون، فهناك من يقرأ.. ومن يقرأ، بالضرورة، يُخزّن،.. أن القارئ هو خزّان على نحو ما، وعندما يكتب أدباً، أي أدب، وبما فيه اليوميات، فإنه يعود تلقائياً إلى خزّانه أو إلى خزانته من القراءة.
كتابة اليوميات، أيضاً تنتظم وتصبح سياقاً يومياً أو من وقت إلى آخر؛ بحيث لا تكون هذه الأوقات متباعدة.. عندما يصبح هذا النوع من الكتابة عادة.. تماماً كالقراءة، تصبح منتظمة، عندما تصبح عادة أو عندما تكون عادة.
كاتب اليوميات، أيضاً، يراقب نفسه، أو يرسم نفسه يومياً، وإذا أردت، أنه يعالج نفسه، وما أكثر ما قيل أن الكتابة تنطوي على نوع من العلاج.
اليوميات، أيضاً هي نوع من مراقبة الذات، ومراقبة الآخرين. إنها تدوين لما هو يومي، تفصيلي.. نعم تفصيلي.. أي القبض على التفاصيل خشية ضياعها ونسيانها، ومع ذلك، فاليومي أو كاتب اليوميات لا يكتب لأنه يخشى من ذاكرته أن تخونه، أنه يكتب، أحياناً يومياته، لكي ينسى. (.. اكتب لأنسى..) يقول لسان حال الكاتب. أكتب لأن الكتابة نوع من السلوى والعزاء. أكتب لأن الكتابة هي أشبه بِـ«درج العمر».. أو الممر الطويل من لحظة الولادة إلى لحظة الموت... واليوميات هي ذلك العمر الموازي لعمر الإنسان.. سواء أكانت منتظمة أو متقطّعة.
لا أحد عبر التاريخ كلّه، وعبر الآداب كلها عكف على يومياته بانتظام كلي مطلق منذ أن عرف القراءة والكتابة، وحتى موته، فاليوميات تجربة كتابية منقطعة وليست منتظمة. إنها تجربة، وهي أيضاً سياق ثقافي أو فكري أو سردي أو تأملي يلجأ إليه الكاتب في لحظة من لحظات عمره الأدبي، ومن بعد ينقطع هذا السياق.
«اليومية»، أيضاً شريط من الصور والملاحظات والمجريات.. يقبض عليها الكاتب أحياناً كأنها رؤوس أقلام، أو أفكار صغيرة موجزة قابلة لأن تكون، في ما بعد، أفكاراً موسّعة. في حين أن المذكرات تجنح إلى السرد والتفصيل. المذكرات تأخذ من الذاكرة عادة، ومداها الزمني أوسع وأكثر رحابة من المدى الزمني لليوميات.
المذكرات، وقد تحمل في «أحشائها» وجهاً آخر هو «الاعترافات» هي سرد آخر. سرد قصصي أو سرد حكائي. بينما لا توجد حكاية أو قصة في «اليومية».. قد تكون هناك إشارة مقتضبة لحكاية أو قصة أو موقف في «اليومية»، ولكنها مكثفة إلى درجة أن تكون عابرة، بينما الحكاية أو القصة أو الموقف في «المذكرات» هي بنية أصيلة من بنى أدب المذكرات.. وإذا أردت يمكن العودة على سبيل المثال إلى كتاب «مذكرات عبد أميركي» القائم على عشرات قصص جَلْد العبيد أو السود على يد سادة الرق الأمريكان الذين كانوا، يومياً، يمارسون القهر والتمييز على العبيد ويجلدونهم إلى أن تتشقق جلودهم، ولكن، مؤلف الكتاب، فريدريك دوجلاس، وهو عانى تجربة الرق والجلد والتجويع، لكن في النهاية حرّر نفسه بنفسه، لم يلجأ إلى أسلوب اليوميات في كتابه المؤثر هذا، بل استخدم أسلوب المذكرات بطريقة سردية لا فجوات يومية فيها.
* * *
شاب مجنون
«اليوميات».. مقطوعات أو نثريات أو رؤوس أقلام أو عتبات تفصيلية يمكن أن تتحوّل إلى قصص كما هو الحال في العمل الأدبي للكاتب الصيني لوشون أو في ترجمة أخرى لوشيون 1881-1936م، فله مجموعة من القصص أعطاها عنوان: «يوميات مجنون»، ويتحدث لوشيون، عن هذه القصص القائمة على فن اليوميات بقوله.. «.. كان لي صديقان مقرّبان في المدرسة الثانوية وصادف أني سمعت قبل زمن بمرض أحدهما مرضاً خطيراً، فقطعت رحلتي إلى بلدتي القديمة لأزوره، وعندما وصلت منزلهما لم أر إلا أحدهما، وأخبرني أن المريض أخوه ثم قال لي أنا مقدّر لك قطع مثل هذه الطريق الطويلة لزيارتنا، بيد أن أخي شفي من مرضه، وذهب إلى مكان آخر ليتسلم منصباً رسمياً ثم قدّم لي وهو يضحك دفترين من يوميات قائلاً إنه يمكن معرفة ما حل بأخيه من علل من خلال هذه اليوميات».
يقول لوشيون إنه بعد قراءته لأوراق المريض تبيّن له أنه كان يعاني لوناً من الاضطهاد المركب، ويقول إن تلك اليوميات كانت مكتوبة بلا تواريخ.. «.. فلا يظهر أنها لم تكتب في وقت واحد إلا من خلال اختلاف لون الحبر، وتغيّر الخط..».
على أي حال هذه واحدة من تلك اليوميات التي أصبحت على يد لوشيون، نصاً آخر «ليس يومياً».
يقول لوشيون:
«.. القمر هذه الليلة جميل جداً: لم أشاهد القمر منذ ثلاثين عاماً، وعندما رأيته اليوم شعرت بسرور غريب، وبدأت أدرك أنني كنت أعيش في ظلام خلال الثلاثين عاماً الماضية، لكن ينبغي أن أكون شديد الحذر الآن، وإلا، فما بال كلب عائلة تشاو يحدّق بي بعينيه.. وهنا، لدي أسباب مبررة لمخاوفي..».
عليّ هنا كقارئ لما استنتجه لوشيون من القصة أن استنتج أنا الآخر أن اليوميات يمكن أن تكشف عن طبيعة كاتبها الصحية، النفسية والبدنية والعقلية. اليوميات يمكن أن تكشف عن أسرار معيّنة إذا كان كاتبها موضع مراقبة معيّنة.
اليوميات.. تكشف عن هواجس ومخاوف وفكر وثقافة وأحلام وأشواق كاتبها، وبهذا، يمكن أن تكون «اليومية» مادة مساعدة في تشخيص المريض النفسي بشكل خاص، ذلك أن الوعي واللاوعي في أثناء كتابة اليوميات يتناوبان الكاتب، ويتركان أثرهما النفسي على الكتابة نفسها.
* * *
بودلير آخر
مثلما كان شارل بودلير 1821-1867م انقلابياً أو «متوحشاً» في «أزهار الشر».. مجموعة القصائد التي هزت الشعرية الأوروبية قبل نحو حوالي 180 عاماً، هو أيضاً «مرعب» آخر في «اليوميات»، ترجمة: آدم فتحي الذي وضع مقدمة مكتملة فكرياً وثقافياً وتاريخياً ليوميات شاعر هو وحده ظاهرة شعرية في القرن التاسع عشر.. يقول فتحي.. «.. في هذا العمل «اليوميات» نخمّن أننا أمام بودلير مختلف، أكثر شراسة، وأقل أناقة، وليس منشأ هذا التخمين أن النص قد يكون وصلنا على غير ما تهيأ له صاحبه، فحسب، بل، منشأه أننا أمام صورة جانبية جديدة، غير تلك التي نعرف في أزهار الشر أو قصائد النثر..».
«اليوميات» قلق بودليري مكثف، غير مدجّن على الإطلاق. إن بودلير في هذه النصوص عار تماماً. مدجج بكل وجوديته المدمرة تماماً. لا يختفي وراء الشعر، بل يقف أمام النثر، كابوسي. نقدي. يومي أيضاً.. بعشرات الهوامش التي تشير إلى ثقافة شاعر هو وحده ظاهرة.
تخلو يوميات شارل بودلير من التقطيع الزمني المعتاد في كتابة اليوميات، بل هي نصوص مفتوحة بعضها على بعض. شذرات حادّة، عناوين خارج العادي والمألوف.
* * *
أفكار ليوباردي
تنحو اليوميات لأن تكون تأملات فلسفية، حكمية، فكرية، كما نقرأ، مثلاً، عند الشاعر الإيطالي «جيالومو ليوباردي» 1798-1837م، ترجمة: أمارجي، وفي نحو الثامنة عشرة من عمره عرف التأمل. إنها معرفة مبكرة بالنسبة لشاب بل لفتى لم يصل العشرين من عمره.. أن يومياته هي أفكار مشبعة برؤى العقل المتفتح على الله والحياة والوجود والإنسان..
«.. الإنسان مادة ثقيلة».. يقول، ولكن ننتبه دائماً أن وراء كل عبقرية فكرية، عقلية شعرية أدبية أو تأملية، هناك جسد، وهناك روح. كانت روح ليوباردي متعبة في جسد المتعب.. «.. إن ضعفه الجسدي، واعتباره الإنسان كائناً ناقص التكوين يتجه نحو الفناء، وتمزقه ما بين حدود الجسد، وبين الرغبة بالحرية، علاوة على عجزه حيال تدهوره الجسماني، قد تآزرت جميعها على إحاطة قدره بالألم..».
مرة ثانية، يتسلل إلى اليومي ما هو حكمي، فلسفي، بل حتى روحي بشذرات تطول، وأخرى تقصر..
«.. المرأة التي تبكي بقلب صادق زوجها المتوفى يهزأ بها. في الوقت نفسه، إذا ما هي اضطرت، لأي سبب أو حاجة قاهرة، إلى الخروج إلى الناس، أو لمجرد خلع اللون القاتم لفترة وجيزة قبل أن تعود ثانية لارتدائه، تراها وقد مُطِرت بوابل من النقد..».
* * *
استنساخ
هل تُستنسخ اليوميات؟
.. ربما، فالأيام والليالي تدور وتدور، ولكنها لا تَبْلى ولا تنتهي، في حين يبلى البشر الفانون دائماً، أريد القول كأن البير كامو 1913-1960م استنسخ ليوباردي، أو استعار منه، وذلك في عمله الثلاثي: «لعبة الأوراق والنور»، «ذهب أزرق»، و«عشب الأيام»، وكان صاحب «الغريب» قد كتب هذه المادة الشذرية ذات الروح اليومية في العام 1935م.. ونقلتها إلى العربية الروائية اللبنانية نجوى بركات.
الروح اليومية في ثلاثية كامو نلمسها من العنوان الأول الذي وضعه كامو وهو (المفكرة) أو «الدفاتر».. والعنوانان يحملان طبيعة اليوميات، وبخاصة (المفكرة).
في 11 ديسمبر/كانون الأول نطالع «يومية» يقول فيها:
«طريح السرير.. النهار بأكمله أو تقريباً. حمّى مستمرة تنتزع مني كل رغبة».
* * *
تحديد زمني
اليوميات، تختلف تماماً عن المذكرات. ثمة فرق كبير بين اليوميات والمذكرات.. اليوميات «لواقط» لما هو تفصيلي، حياتي، آني، ثم أن زمن «اليومية» هو زمن قصير، قد يتحدد في وقائع جَرَتْ في يوم واحد أو في جزء من اليوم وليس كله. أما المذكرات فهي نوع من أنواع الكتابة التاريخية وثيق الصلة بالسيرة الذاتية، وتعنى بوصف الأحداث وتعليلها، خاصة تلك التي لعب فيها كاتب المذكرات دوراً، أو عايشها، أو شهدها.
* *
*المصدر: جريدة الخليج، ملحق "الخليج الثقافي"، نُشر بتاريخ 29 يوليو 2019م.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى