.
الحياة المملوءة
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
لا أحد منا، كلنا ودون استثناء، يخلو من الهموم والمتاعب وبواعث القلق، سواء على أنفسنا أو على من هم في دائرتنا القريبة من أهل وأحبة وأصدقاء. قلق قد يكون مصدره الخشية على الصحة أو عدم الاستقرار الوظيفي أو صعوبات الحياة المعيشية، وغيرها من منغصات الحياة التي نريدها أن تكون هادئة ومستقرة وباعثة على الاطمئنان، وما أكثر هذه المنغصات.
وبواعث القلق لا تنحصر فقط في الأمور المتصلة بحياتنا الشخصية ومحيطنا الأكثر قرباً، وإنما تمتد لتشمل قضايانا العامة، فالإنسان الذي كرّس حياته لقضية أو مشروع يظل مسكوناً بالقلق من أن تتبدد تلك القضية أو يخبو ذلك المشروع، ويتسع مدى القلق ليشمل الخوف على مصير الوطن الذي إليه ننتسب وهكذا.
كلنا أيضاً وبدون استثناء أمام خيارين إزاء كل ذلك؛ إما أن نجعل من هذا القلق مصدر كآبة وانهزام واستسلام للصعوبات، وننمي داخل ذواتنا الشعور بالانكسار وروح «المغلوب على أمره»، أو نجعل منه باعثاً على تحدي الصعاب والسعي للتغلب عليها، وقد لا نفلح في تحقيق ذلك بالصورة المرتجاة لكن مجرد الانخراط في مسعى التحدي هذا يضفي على حياتنا معنى، ويجعل أعيننا مصوبة نحو الأمام، حين نلمس أن هذا المسعى هو بدوره مصدر بهجة وتحفيز للإرادة، فمساحات الضوء في الحياة كافية للتغلب على ما فيها من ظلمة.
لا نريد أن نقلل من جدّية ما تفرضه قسوة الحياة وأعباؤها من ضغوط وآلام، بشكل يبدو معها الإنسان في حالات كثيرة عاجزاً عن مواجهتها، ولكن ما يهمنا هو تحفيز قدرات المواجهة، لأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، كما يقول محمود درويش، وفي هذه الحياة الكثير مما يمكن أن نجعل منه بواعث على التفاؤل والسعادة لا العكس.
وجب القول إن عنوان هذا المقال هو في الأصل عنوان مقال لواحدٍ من أكثر كتابنا العرب محبةً للحياة، هو سلامة موسى. وخطر في بالي السؤال: هل هناك حياة مليئة وأخرى ناقصة أو فارغة؟ سياق مقال موسى يحملنا على الإجابة بـ«نعم»، فبرأي الكاتب، فإن الحياة المليئة تحتاج إلى السخاء والتفاؤل. وتحتاج أيضاً إلى ما يصفه بـ«وفرة الاختيارات»، وفي الشرح يفيد بأن هذه الوفرة تعني أن نعيش لنتعلم وندرس ونقرأ في مجالات مختلفة، و«نحفز في أنفسنا روح الابتكار والتساؤل والاستطلاع»، لا لكي نتعلم أكثر فحسب، وإنما لكي «يستيقظ ذكاؤنا وتستفيض شبكة المركبات الذهنية في القشرة الرمادية في المخ»، كي لا نستسلم إلى «التبلد والاعتكاف الذهني والعاطفي».