.
يدا الأبكم والأصم
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
يبحث الأبناء عادة عن صيغ إنسانية بسيطة تشكل نوعاً من الوفاء لآبائهم، سواء أكان هؤلاء الآباء شيباً أو شباباً، وعند الشعراء والروائيين والفنانين، يصبح الوفاء أدباً في حد ذاته أو يصبح عملاً فنياً بروح إنسانية صافية، وبخاصة إذا كان الأب أخرس أو أصم. لا يسمع ولا ينطق، فقط جسده يصبح لغته.
في مارس/ آذار 2003 أطلق الكاتب العراقي صموئيل شمعون مجلة ثقافية مستقلة، ليست لها أي أهداف سياسية وتناهض الأفكار المتزمتة بكل أشكالها الدينية والسياسية والعرقية كما جاء في التعريف بالمجلة التي سماها «كيكا»، لكن لماذا هذا الاسم؟ ومن أين جاء؟
لتوضيح ماهية اسم «كيكا» يقول صموئيل شمعون: «في بداية القرن الماضي، وُلِدَ طفل أصم وأبكم. نشأ يتيماً وسط حروب طاحنة بين القبائل والملل والنحل القاطنة في جبال وسهول شمالي العراق. كبر ذلك الطفل وصار ذات يوم أبي. كان الناس يسمونه «كيكا»، وعندما سألت أمي من أين جاءت هذه التسمية، قالت بكل قسوة: لأنه أخرس وأحرش».
ويضيف شمعون: «أحببت أن اسمي هذه الجريدة باسم الإنسان الذي وُلِدَ يتيماً وبلا لغة».
تنشر «كيكا» نصوصاً شعرية وقصصية عربية ومترجمة قاسمها المشترك الواحد إنساني أولاً، وثانياً هي نصوص على درجة عالية من الكتابة الصافية، واللغة الأدبية النقية، وكأن ذلك الرجل الأبكم اليتيم هو من يقف وراء هذه الكتابة بلغة يديه الفصيحة.
لغة اليدين الفصيحة الناطقة بكل جرأة وبلا كذب ولا مواربات خائنة نجدها أيضاً في رواية «يدا أبي» للكاتب لويس أولبرج (1902-1975) الذي وُلِدَ لأب أصم أبكم، وأم خرساء، وقد وضع في هذه سيرته وسيرة والده من خلال يدي والده. يقول: «أكثر ما يتجلى بوضوح في ذاكرتي، هما يدا أبي. نطق أبي بيديه. كان أصم. كان صوته في يديه، ويداه مستودع ذاكرته»، ويقدم لويس أولبرج لروايته السيرية هذه بمقتطف من الفيلسوف فريدريك نيتشه. يقول: «الصامت في الأب ناطق في الابن، ولطالما وجدت في الابن سراً للأب مكشوف النقاب».
وفاء صموئيل شمعون لأبيه الأصم الأبكم واليتيم أن أنشأ مجلة تحمل اسمه، ووفاء أولبرج لأبيه الأخرس أن وضع رواية ترجمت إلى العديد من لغات العالم الحية، لكن الأهم من ذلك هو الإنساني والعاطفي في مثل هذه الكتابة ودوافعها، ثم إن الابن أصبح والداً لأبيه، وأصبح ترجمانه الصغير الذي يلتقط لغة اليد، ويحولها إلى لغة أكثر فصاحة، أحياناً، من لغة بعض أولئك الذين يمتلكون أَلسِنة طويلة لا تكف عن الكذب والمراوغة، والمرء، كما يقول الإمام علي، مخبوء تحت لسانه.