.
مكان آخر للكتابة
*جريدة الخليج
حسن مدن:
حين تنكب على إنجاز مؤلف ما وتبلغ نهايته، ولم يعد أمامك سوى كتابة خاتمته، فلا تفعل ذلك في نفس الغرفة التي تعمل بها دائماً. اختر لذلك مكاناً آخر.
استوقفتني هذه النصيحة كثيراً، وما زلت حائراً في الغاية منها. ومسدي النصيحة هو الكاتب فالتر بنيامين في كتابه «شارع ذو اتجاه واحد» الذي نقله من الفرنسية إلى العربية أحمد حسّان، فهل الغاية هي أن يمنح الكاتب نفسه فرصة لأن ينظر إلى ما أنجزه بعيداً عن الطقس الذي حكم عمله طوال فترة إنجازه، وفي هذا تكون هذه النصيحة قريبة من نصيحة مشابهة طالما قيلت، بل إن كل من له تجربة في تأليف الكتب يدركها بحكم الخبرة، بألا يستعجل في دفع العمل إلى النشر بعد أن يبلغ نهايته، وأن يترك وقتاً يمضي، ثم يعود إليه ليعيد قراءته ومطالعته كأنه يراه من خارجه، لا من داخله، كما كان الحال فترة انكبابه على إنجازه.
إذا كان جوهر النصيحة هو إقامة فاصل من الوقت قبل الاطمئنان إلى رضانا عن عملنا، فهل يصح اعتبار جوهر نصيحة فالتر بنيامين هو إقامة فاصل في المكان؟ ربما يكون الأمر كذلك فعلاً، فبعيداً عن الكتابة وطقوسها، فإن للمكان تأثيراً في أمزجتنا، ومن هنا تنشأ رغبتنا في ألا نمكث في المكان نفسه طويلاً، والترويح عن أنفسنا برؤية أمكنة أخرى مختلفة، تكسر المألوف والروتين والرتابة.
لكن يبدو أن لهذا الأمر أثراً في مزاج الكتابة نفسها، كأن المكان الجديد، أو الآخر، يحررنا من أسرنا المعتاد ويجعلنا ننظر للأمور بمنظور مختلف.
المكان الملائم للكتابة موضوع حديث لا ينتهي، ونحن نعرف أن الكثير من الكتّاب يفضلون الانعزال التام عندما ينصرفون إلى عمل كتابي، ويبلغ بهم الأمر حد الانقطاع عن كافة أشكال التواصل مع الآخرين، بمن فيهم أقرب الأصدقاء، لكن كاتباً كبيراً هو جابرييل ماركيز قال مرة إنه أنجز بعض أعماله في مقاهٍ صاخبة تضجّ بالحركة والأصوات والموسيقى، ولم يحل كل ذلك دون عمله، بل لعله وجد الحوافز في هذا الجو.
على كل حال هذه نصيحة بحاجة للاختبار، لمعرفة ما إذا كانت تترك الأثر نفسه عند الجميع، شأنها في ذلك شأن نصائح أخرى أوردها الكاتب نفسه، والبالغ عددها ثلاث عشرة نصيحة، وساقها بمنتهى التركيز والإيجاز، رغم أن كل واحدة منها تحتمل الوقوف أمامها بشيء من الإسهاب.
لنقرأ مثلاً هذه النصيحة: احتفظ بمفكرة ملاحظاتك بصرامة. لا تدع أي فكرة تمرّ مجهولة.





رد مع اقتباس