.
الكاتب والخبّاز
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
ما أكثر ما يطلب الشباب منّا، نحن المخضرمين، اقتراح كتب مناسبة للقراءة، وهي مهمة ليست سهلة حتى وإن بدت في ظاهرها كذلك، فليس كل ما يروق لنا ونقترحه عليهم ليقرأوه يصادف هوى في نفوسهم، فقد يجدونه غير جاذب لاهتمامهم، ولا يتواءم مع ميولهم، وربما يرونه مملاً ومنفراً أو ثقيل الدم.
وبالنظر إلى المتغيرات الكبيرة في عالم اليوم، فقد لا تكون الكتب التي اعتبرناها نحن في مقتبل أعمارنا كتباً تأسيسية لمعارفنا، وأنها من أخذت بأيادينا إلى دروب الحياة، تناسب أهواء وميول الأجيال الجديدة التي تتعرض لمؤثرات مختلفة، لم نخبرها نحن عندما كنّا في أعمارهم، وما زلنا نتعثر في التعامل معها باليسر والسرعة اللذين يتعامل هؤلاء الشباب بهما معها.
سلامة موسى قال مرة: «اختر كاتبك بأكثر من العناية التي تختار بها خبّازك». والتشبيه بين الكاتب والخباز ينطوي على بلاغة ودلالة، فإذا كان خبز الخباز يغذي الجسم، فإن كتاب الكاتب يغذي الذهن، وكما نحرص على اختيار أكثر أنواع الخبز جودة وألذّها طعماً، علينا أن نحرص على اختيار لمن نقرأ من الكتّاب، ليكون أكثر فائدة معرفياً وأكثر تشويقاً.
لو بحثتم في الشبكة الإلكترونية عن أنسب أو أفضل الطرق لاختيار الكاتب الذي نقرأ له أو الكتاب الذي نقرأه، ستصادفكم نصائح مختلفة، تلتقي في أشياء، وتختلف في أشياء حدّ التناقض، حتى يحار المرء ما الذي عليه أن يتبعه منها، وأيها أصح وأكثر تحقيقاً للفائدة المرجوة.
وتتراوح هذه النصائح بين تحديد الغرض من الكتاب، سواء كان للمعرفة أم للمتعة، وأهمية البحث عن اسم المؤلف ومعرفة نبذة عن كتاباته، والعودة إلى ما كتب من مراجعات للكتاب، بهدف تكوين فكرة عنه، مع أن هذه النصيحة حمّالة أوجه، لأن تقييم أي كتاب يخضع لمزاج من كتب التقييم، فقد يرفع من شأنه إلى أعلى عليين، فيما هو ليس أهلاً لذلك، وقد ينزل به إلى أسفل سافلين، فيظلم الكتاب ومؤلفه، وقد يصرف عنه اهتمام من يرغب في قراءته.
وهناك نصيحة صالحة لكل الأجيال، ويجب على القارئ الجاد أن يدرب نفسه عليها، هي قراءة الأعمال الكلاسيكية، وهي في الغالب مجلدات ضخمة وتحتاج إلى صبر ووقت، وفي إيقاع زمننا السريع، يبدو ذلك صعباً، لكن لا سبيل لبلوغ معرفة يعتدّ بها بدون هذا النوع من الكتب.
عودة إلى سلامة موسى الذي ميّز بين كاتبين، أحدهما يرفعك ويزيدك حيوية، وكأنه يصب الدم الأحمر في شرايينك، وكاتب آخر يخفضك ويكسر جناحك وينصحك بأن ترضى من الغنيمة بالإياب، وكأنه يصب الصفراء في عروقك.