.






البحث عن الذات




*جريدة الخليج




يوسف أبو لوز:

أطلق اللسان اللغة، أو ساعد على إطلاقها حين أصبح الكلام غابة من الأصوات، ثم تحوّلت اللغة إلى كتابة، وكل كتابة مرهونة إلى القراءة، وإذا كان اللسان صفّى اللغة، وأطلق الكلام (كلام الإنسان)، فإنه في الكتابة يصمت، وفي القراءة، أيضاً، يصمت.

نحن لا نتكلم حين نقرأ، ولا نتكلم حين نكتب؛ بل في الحالين نفكر. نفكر باللغة. نفكر أيضاً بالقراءة، ونفكر في الكتابة.

الكتابة نشاط فكري أو هي فعل تفكير، والقراءة أيضاً نشاط مزدحم باللغة، والأبجديات والأصوات، وعلى الرغم من كل هذه الشبكة المتقاطعة، وربما المعقدة التي ترافق عملية القراءة، فإنها أيضاً (أي القراءة) عملية تفكير. والفكر الذي يرافق القراءة يُفضي إلى النقد؛ نقد ما نقرأ أو نقد مَن نقرأ له.

إن كل قراءة هي إلى جانب الفكر نشاط قائم على اللغة. ما من قراءة بلا لغة إلا قراءة الصورة أو المشهد أو الظاهرة أو العرض المسرحي أو العرض الموسيقي أو قراءة اللوحة التشكيلية. تلك هي القراءة البصرية أحياناً، وأحياناً القراءة السمعية، وأحياناً القراءة التأملية الداخلية التذوقية، القراءة التي لا تقوم لا على لغة، ولا صوت اللغة.

القراءة، القراءة الأبجدية، اللغوية. قراءة الكلام.. هي قراءتنا نحن الذين نبحث عن ذواتنا في الكتابة؛ لا بل إن كل قارئ إنما هو باحث عن النور في الكتابة. باحث عن الضوء الذي يبدد كل ظلام فيه وحوله.

إننا في القراءة أيضاً نصمت. ونحن لا نقرأ إذا كنا نثرثر. مطلقاً ما من قراءة إلا وهي قراءة صامتة.

إن القراءة المسموعة أو الجهورية هي قراءة الخطباء. القراءة العالية. قراءة الصوت لا قراءة الصمت هي قراءة الزعيم أو الطاغية. هي قراءة الإشهار. قراءة الخطاب والمنبر والإعلان.

القراءة الصوتية الإشهارية هي قراءة البيان السياسي، أو حتى قراءة البيان الثقافي التقريري السلطوي. هي قراءة الدعاية والعنف والتوبيخ والتحذير والتنكيل؛ لأنها قراءة الصوت، أو بالأحرى قراءة «السوط»؛ أي الكرباج.

فرق هائل في الدلالة والتأويل بين قراءة الصمت؛ أي قراءة النور، وبين قراءة الصوت أو قراءة الضجيج والصخب والصراخ.

في كتابه «الإنسان واللغة» ترجمة: عبد الوهاب المقالح يبني المفكر السويسري الألماني ماكس بيكارد (1888-1965) فلسفته وأفكاره وتأملاته في العلاقة العضوية بين الإنسان واللغة على ظاهرتين إن أمكن القول. يركز بيكارد على الصمت، والضوء في اللغة، ويستدعي إلى مختبره المعرفي الفكري والفلسفي أكثر من علاقة مع اللغة: الشعر، الصوت، الحب، المجتمع، الحقيقة، المسيح، الإنجيل، الصورة؛ لا بل إنه عند مقاربته بين الصورة واللغة ينقض الفكرة «الصحفية» المتداولة التي تقول إن الصورة الواحدة تعادل ألف كلمة.

بيكارد يقول العكس: «الصورة ليست واضحة تماماً مثل وضوح اللغة، مع أن الصورة تحتوي على الفكر، ففي حين يكون الفكر حياً يقظاً في اللغة، فهو في الصور في حالة سكون، والكلمات أكثر مباشرة من الصور»؛ لذلك نحن حين نقرأ نصاً أدبياً شعراً مثلاً أو رواية أو قصة، فنحن نقوم بتأويله إلى أكثر من صورة واحدة، وإذا كان المؤلف ينطلق في نصه الأدبي أو الإبداعي عموماً من صورة واحدة، فإن القارئ يمتلك الحرية القصوى أكثر من المؤلف، حين يقوم هذا القارئ بتخيل مربع كبير من الصور تعود إليه.. إلى القارئ وليس إلى المؤلف.

مثلما اللغة هي حقل تأويل كبير للصمت والضوء، فالقراءة أيضاً صمت وضوء. القراءة مجموعة هائلة من الصور. إنها صور القارئ، وتعمل هذه الصور على استقلال القارئ عن المؤلف؛ لا بل تؤهل الصور القارئ إلى الخلود، إذا أخذنا مقولة رولان بارت بموت المؤلف، مأخذ الجد. يموت المؤلف، لكن القارئ لا يموت على نحو رمزي ما، أو شعري ما، تماماً مثلما أن الصمت لا يموت، وكذلك الضوء.