.








الرواية.. حكاية وتكنيك



*جريدة الخليج



حسن مدن:

في أحد الحوارات الصحفية مع الروائي المصري صنع الله إبراهيم، صارحه محاوره أسامة الرحيمي بأن أكثر من ناقشهم حول أدبه فضّلوا روايتيه الأوليين: «تلك الرائحة» و«اللجنة»، ويرون أنه كان، فيهما، أكثر اختصاراً وتكثيفاً، وأقدر على إلصاق المعاني والدلالات باللغة، وأنه كتبهما بأسلوب الطلقة: سريع ويصيب الهدف في أقل وقت ممكن، عكس أعماله التالية التي تميزت بالنفَس الطويل جداً، فيما يمكن أن يطلق عليه الرواية المستطردة.



في الرد على ذلك قال صنع الله: «وهناك ناس قالوا كلاماً عكس هذا.. يمكن بيجاملونني»، قبل أن يضيف: «إن الموضوع قد يتطلب الإبحار يميناً أو شمالاً. يحتاج إلى (فرشة) كبيرة، والرواية ليست قصة قصيرة محكومة بالتكثيف؛ لأن التطور في الأحداث والشخصيات والأفكار يخلق الاستطراد الذي أتصوره ضرورياً».


لا القراء ولا النقاد يمكن أن يتفقوا على تقييم واحد للعمل الروائي. في هذا تدخل الذائقة والمستوى الثقافي للمتلقي، وفيه أيضاً يدخل ما نحب أن نصفه بصبر القارئ، فليس كل القراء لديهم القدرة على قراءة روايات تميل نحو الاستطراد، الذي هو بالنسبة للكاتب ضروري في الكثير من الحالات، على النحو الذي شرحه صنع الله في تعليقه، مع أنه وافق وفي ردٍ على سؤال إضافي على أن الاستطراد يمكن أن يمثّل خطراً على تركيز القارئ، فالأمر يتوقف على طريقة تقديم الحكاية.


اختار مُجري هذا الحوار أسامة الرحيمي أن يطلق على الكتاب الذي ضمّ عشرات الحوارات مع أدباء عرب عنوان «بوح المبدعين»، محاولاً استدراجهم إلى مناطق يفصحون فيها عن أسرار صنعتهم الأدبية، وهذا ما فعله مع صنع الله إبراهيم في حوارين تضمنهما الكتاب.


في أحد هذين الحوارين سأل المحاور صنع الله، عما إذا كانت بعض أعماله قد خرجت عن القالب المعتاد للرواية، وجنحت إلى التسجيلية، مائلة تارة إلى الصحافة، وتارة أخرى إلى السينما، وثالثة إلى البحث التاريخي، فكان رد الكاتب يتلخص في أن الرواية لم تعد فناً قائماً بذاته؛ بل أصبحت قادرة على استيعاب فنون أخرى كثيرة، وهناك دائماً إمكانية لاستخدام أشكال مختلفة.


قد لا يوافق الكثيرون على هذا الرأي ويرون أن الرواية رواية، والبحث بحث، ولا يجوز الخلط بينهما، لكن لدى صنع الله إبراهيم ما يرد به على هذا القول، بتأكيد أن الرواية، وإن كانت حكاية نستمتع بها ونحن نتابع جريها، لكن المهم هو التكنيك؛ أي كيف تقال الحكاية، وإذا كان بإمكانك أن تكتب مقالاً عن الهند مثلاً دون زيارتها، فلن تكون موفّقاً في كتابة رواية عنها دون أن تكون قد زرتها وقابلت ناسها واستنشقت هواءها وشممت روائحها.