.
الكتابة متعة أم شقاء؟
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
نصادف طرازاً من الكتّاب، أو من يدّعون أنهم كذلك، كثيري الشكوى والتذمر مما يسبّبه انصرافهم إلى الكتابة من شقاء وعذاب، في مسعى مضمر لإظهار كمّ التضحية التي يبذلونها كي يضعوا كتاباً أو حتى مقالاً، ولكي يقولوا لمن يخاطبونه، شفاهة أو كتابة، كم هم محرومون من السعادة وراحة البال التي لدى سواهم ممن لم تشأ الأقدار أن تكون لهم علاقة بالكتابة!.
هذا النوع من «الأدعياء» يضعك من حيث أراد أو لم يُرِدْ في دائرة الشك في أنه موهوب بالفعل؛ لأننا نحسب أن الكتابة للمأخوذ بها هي متعة وصورة من صور السعادة التي يعيشها الكاتب، حتى لو لم يفصح عن ذلك، أو يحسّ به بشكل مباشر. كل ما نمارسه بشغف ورضا هو صورة من صور السعادة حتى لو كانت حيواتنا مملوءة بمتاعب وأوجه معاناة أخرى لا صلة للكتابة بها، بل إن الكاتب أو الفنان يجد في تحقيق شغفه ما يعوّض عنه متاعب وأوجه معاناة أخرى، كم من فقدانات جعلت مَنْ نالت منهم يضعون أعمالاً أدبية أو فنية لافتة! حسبنا هنا أن نذكر التشييلية إيزابيل الليندي مثلاً.
الكتابة لا تكون كتابة جاذبة ولافتة ومميزة إلا إذا كُتبت بحبّ. حتى والكاتب يكتب عن معاناته أو معاناة سواه، هو يفعل ذلك بشعور من الدفء والصدق، حتى للشجن في حالات مثل هذه مذاق من العذوبة تصل إلى نفس القارئ، أما أولئك دائمو الشكوى فالأحرى أن نقول لهم: ما الذي يجبركم على أن تقدّموا أنفسكم كتّاباً ما دامت الكتابة باعثة على شقائكم؟ أليس من المنطق أن تهجروا ما يسبّب لكم الشقاء ما دام ذلك في متناول أيديكم؟!.
صحيح أنّ مواقف بعض الكتّاب المحملة بشحن الغضب والنقد قد تجرّ عليهم متاعب وتُدفّعهم ضرائب باهظة قد تنال من حريتهم وسلامتهم، لكنهم في قرارة أنفسهم، وهم ينالون ما ينالون من ردود فعل، يظلون مسكونين بالشعور بأنهم متّسقون مع أنفسهم وأوفياء لنداء ضمائرهم في الانتصار لموقف أو فكرة هم على قناعة بهما.
الكتابة لا تجلب لصاحبها المتعة فقط وإنما التسلية. هذا على الأقل ما يقوله إمبرتو إيكو الذي أجاب عن سؤال بهذا الخصوص بالقول، إن عملية كتابة الرواية عنده، والتي تستغرق بين 5 أو 6 سنوات، تجعله يتسلّى ويستمتع كثيراً، وفي النهاية بعد أن ينتهي من كتابة تلك الرواية، يصبح حزيناً للغاية؛ لأنه يشعر- والقول له- أنه قد فقد لعبته.