.
الشمس تُملي والشاعر يكتب
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز
- حاول البشر استدراج الشمس إلى الأرض، فأطلقوا اسمها على أولادهم وبناتهم. جعلوا منها المؤنث والمذكر. جَمعوا ضوءها الذهبي في كأس من الكريستال، وشربوها كلّها باردةً، منعشةً، خفيفةً على القلب واللسان.
- يقول مثلٌ أوروبي: «تُشدّ عربتك إلى شمس»، وفي معنى المثل ما يقترب من قول المتنبي: «إذا غامرت في شرف مروم.. فلا تقنع بما دون النجوم»، أما هي، فعلى عادتها، لا تكترث لا بالمديح، ولا بالهجاء.
- يبحث عنها أهل البلدان الباردة، ويغادرها أهل الحر والقيظ، لكنها لكل الناس: شمعة ذهبية مدوّرة.
- يقول الشاعر البولندي يا روسواف ميكوايفسكي: «الشمس كنست الطريق والتلال من الضباب».
- وصل إنسان الأرض إلى جارها القمر، أما هي، فتمشط شعرها الذهبي كل يوم عند الصباح، وتعيد الاعتناء مرة ثانية بجمالها وكينونتها الوردية عند الغروب، ممتلئة تماماً بفكرة الدورة والدائرة والدوران.
- منذ هوميروس، منذ ما قبل الشعر وما بعد النثر، وهناك دائماً مفردة ارتباطية موصولة بروح الكتابة هي مفردة الشمس.
- في طفولتي حين كانت تختفي الشمس وراء الجبال، وهي في الحقيقة لم تكن قد غابت بعد، كنت أظن أن وحشاً ما كان في تلك الجبال قد ابتلع شمسي تلك.
- ثمة رغيف خبز ساخن هناك في فرن الغيوم.
- حين تخجل الشمس من شناعة البشر على الأرض، تغطي وجهها بالغيوم.
- تعرف الشمس أن تحتها وعلى نحو عمودي باتجاه الأرض تماماً الكثير من القتلة واللصوص والطغاة والفَسَدة وشهود الزور والكذّابين والمزيّفين والمجوفين كالطبول، والانتهازيين، ولكنها مع كل ذلك تشرق وتواصل دورتها النورانية اليومية تلك من أجل إنسان جميل، ضعيف، وحيد، قد يكون في قرية نائية مهجورة إلا من الضوء الذي هو حبر الشمس.
- الضوء حبر الشمس السائل على ورق الكتابة. الشمس تُملي والشاعر يكتب.