ما زال الصراع قائما في قضية غزة، ولم تضع الحرب أوزارها، فإن كانت نار القذائف توقفت ـ وما توقفت ـ فإن نار إعمار البنية التحتية لم تتوقف؛ حيث تعقد له المؤتمرات، وتدار له الندوات، وتجاهد من أجله الأفراد والمؤسسات والأنظمة والحكومات، والنظام العالمي يجتمع وينفض من أجل القضية؛ يريد أن يُخْضع إرادة المقاومة لشروط يمليها عليها كي يتم التمويل الدولي لإعمار وإغاثة غزة.
ولعلي لا أكون مبالغا إن قلت: إن هناك نوعا آخر من الإعمار يجب التنبه له والعناية والاهتمام به، وهو نوع لا يقل خطورة وأهمية ونتيجة وآثارا ـ إن لم يزد ـ عن الإعمار الذي ننشغل به على أهميته، ألا وهو الإعمار الفكري.
وأعني بالإعمار الفكري أمرين:
الأول: معالجة النواحي الفكرية لقضية غزة، والرد على الشبهات التي تثار حولها مما يكون له الأثر في وضع القضية موضعا واقعيا ومناسبا، ويعجل مسيرة الإعمار المادي.
والثاني: الإعمار التعليمي والثقافي للمؤسسات التعليمية والثقافية والشرعية عبر الوسائل التي سنذكرها بعد قليل.
ذلك؛ أن القصف الفكري والإعلامي أشد فتكا وخطورة ومآلا من قصف الصواريخ والطائرات، وأن تصحيح المفاهيم وإبلاغ الدعوة وإقامة الحجة وإزالة الشبهة في هذه القضية أولى وأهم؛ لأنه يعتبر المدخل الطبيعي للإعمار المادي، فإذا تكونت القناعات، واتضحت القضية في العقول بما لا يحمل شبهة ولا تكون معه حاجة لحجة فإن طريق الإعمار المادي يكون ممهودًا وميسورا متى قويت العزائم وصدقت النيات.
والواقع أن المتابع لِكَمِّ الشبهات التي تثار في قضية غزة، والباطل الذي ينقلب حقا، والحق الذي ينقلب باطلا، ومدى الجهد المبذول في تشويه صورة المقاومة، والمؤامرات التي تحكم من أجل إجهاد المقاومة وتقليب الشعب عليها، أقول إن المتابع لهذا كله وغيره يدرك حقيقة مؤكدة مقتضاها أننا بحاجة لما يمكن أن يسمى بـ "الإعمار الفكري"، وتجييش جيوش له توازي أو تزيد على ما يتم تجنيده من أجل الإغاثة المادية، وإعمار البنية التحتية لقطاع غزة.
ولكي يكون كلامنا عمليا وواقعيا لابد من اقتراح مجموعة من الوسائل التي تعالج هذا الموضوع؛ مبادرة وتوضيحا وردا وتوثيقا، ويمكن أن تتبنى هذا المشروع أي هيئة أو مؤسسة من المؤسسات المعنية بالقدس وفلسطين عبر تكوين لجنة داخلية أو ما شابه أو إنشاء هيئة جديدة تختص بهذا الأمر لتقوم بما يلي:
أولا: التركيز على الملف الإعلامي لقضية فلسطين؛ بحيث يصنع خطابا إعلاميا مبادرا بتوضيح القضية بكل أبعادها الجزئية والكلية، والخاصة والعامة، وبهذا يصعب على أي مرجف أو سيء النية أن يقوم بإلقاء حباله وعصيه؛ لأنها حينئذ لن تجد البيئة المهيأة لتقبل هذا السحر، وترويج هذا الإفك الذي تلقفه عصا موسى قبل أن يلقى.
ثانيا: رصد وحصر جوانب الخطاب الإعلامي المضاد الذي نمسي ونصبح على قصفه ولا ننزعج له كما كنا ننزعج مع قصف الصواريخ، وتصنيف هذه الافتراءات والشبهات.
ثالثا: تُعرض هذه الافتراءات والشبهات على العلماء والمفكرين؛ كلٌّ في مجال تخصصه؛ ليقوم بتوضيحها وتحريرها وبيان مصدرها وأسبابها وأغراضها، والقيام بالرد عليها وتفنيدها؛ ردا شافيا شاملا كافيا مقنعا.
رابعا: إقامة توأمة بين المؤسسات الدعوية في فلسطين ومؤسسات الدعوة في البلاد الأخرى؛ كي يتم تأهيل الدعاء وإعداد العلماء.
خامسا: إقامة توأمة بين الجامعات بمختلف تخصصات كلياتها في فلسطين وجامعات عالمية مثل جامعة الأزهر وغيرها من جامعات لاستيعاب أعداد طلاب فلسطين الذي هدمت جامعاتهم ومؤسسات تعليمهم، ليكملوا دراستهم ويواصلوا مشوارهم.
سادسا: إرسال علماء ورموز دعاة لجبر النقص و سد الخلل، واستكمال الجانب التعليمي والعلمي والدعوي.
هذه ـ وغيرها ـ وسائل وكيفيات لهذا الإعمار المهم والخطير في طبيعته وجوهره ومآلاته يمكن أن تقوم بها أفراد وهيئات ومؤسسات وحكومات سعيا للإعمار الإنساني في توازٍ مع الإعمار المادي والبيئي، وبناء الإنسان الصالح وإعماره تربويا وعلميا وثقافيا هو الخطوة الأولى لإعمار العالم بقيم الحق والخير والعدل والجمال.





رد مع اقتباس