(ومتى تنتهي القصّة?).
(حين يموت الرَّاوي).
(ومتى يموت الرَّاوي?).
(هنا يجب تغيير السؤال, يجب أن تسألي: من قتل الرَّاوي?).
(ومن قتل الرَّاوي?), سألتْ.
(لا أعرف).
عمَّ أكتب?
حكايتان, لا, ثلاث حكايات. لست أدري كم عددها, ولا أعرف لماذا تترابط حين أرويها. عندما نكتب فنحن نمتلك أن نقول ما نشاء, كلاَّ, نمتلك أن نقول ما يُقال, نشاء ما نقول, لا العكس.
ولكن لماذا?
لماذا تحضر صورة وداد البيضاء على وجه المسيح مع نهر الأردن, مع المريمات وهنَّ يحطن بالرَّجل الذاهب إلى الموت? هل هي الذكريات حين تُستعاد تختلط وتتحوّل إلى مزيج, إلى حكايةٍ واحدة أصولها في كلِّ الحكايات?
لكنَّها ليست ذكرياتي.
هل أجرؤ يا سيِّدي على أن أقول بأنّ حكايتك هي ذكرياتي? هل أجرؤ يا سيِّدي على أن أنتظر منك جوابا?
قلت لسامية إنّها ليست ذكرياتي, ونحن نقف أمام الجامع المهدّم الذي تحوّل إلى مقبرةٍ في مخيَّم شاتيلا. حتَّى كلمة حبّ لم أتلفَّظ بها. كان اسمها سامية لا مريم. سامية تأتي إلى هذا الحقل الشاسع من الحكايات وتدخل فيها. وتقول إنّها مريم.
الحقيقة أنّني قلت لها بأنّنا سنغيّر العالم. حدّثتها عن تغيير العالم من غير أن أعى ما أقول. قلت نغيّر العالم لأنّنا كنّا نقول ذلك.
على ضفّة البحر الرصاصيّ, سألتني عن العالم.
(هل تغيّر العالم?), سألت.
هذه المرّة لم تتلعثم حين سألتْ, ولم تبتلع نصف كلماتها كما كانت تفعل دائما. أنا الذي تلعثم, فأنا لم أغيّر العالم, ولكنّني اكتشفت أبسط الأشياء وأكثرها بداهةً وسذاجة, اكتشفت أنّني سأموت لأنّ الإنسان يموت, وعندما اكتشفت العالم تغيّر الموت أو بالعكس, عندما اكتشفت الموت تغيّر العالم. أنا لم أغيّره, أنا رأيته, وحين رأيته تغيّر كلّ شيء, أنا وهو وأنتم وهي.
ربَّما, لهذا, تمتزج القصص لتتحوّل إلى هذه الحكاية. فالقصّة, كما لا تعرف مريم, تبدأ حين لا تعود قصّة, وتمتزج بقصصٍ أخرى, عندها لا يموت الحبّ حتّى بعد أن يموت البطل.
وداد الشركسيّة البيضاء, لم تكن تعرف, وهي تأتي بعد رحلة التيه والذّلّ الطويلة لتستقرّ في بيروت, بأنّها سوف تنتهي في حقل الموت هنا, وستتحوّل إلى الأرض التي تفرشها هذه الحكاية لتخبر حكايات عن هذا العالم الغريب الذي لم نغيّره.
لماذا أروي?
هل لأقول لمريم إنّني أحبّها, وقد قلت لها ذلك ألف مرّة? واليوم لم يعد القول يعني شيئا, فهي ليست هنا, ولن تقرأ ما أكتبه, حتَّى ولو قرأت, فلن تعرف أنّني أحبّها. أم نكتب لأننا لسنا أبطالاً?
الأبطال يموتون, وأمّا نحن فنروي حكاياتهم.
فلأُحَدِّدْ. أنا أتكلَّم عن امرأةٍ واحدةٍ اسمها مريم. هذه المرأة هي التي أخذتني إلى خطوط التَّماسّ في بيروت, حيث شاهدت كلّ ذلك الخراب الذي صنعناه, ثمّ صعدتُ وإيّاها إلى مطعم مهدّم كان اسمه (لوكولوس), يقع في الطابق الأخير من بناية عالية تواجه البحر. حملت مريم طنجرة الفاصوليا والرّز التي طبختها في بيتها, وصعدنا الدرجات المحطَّمة والمبنى المتداعي, حتَّى وصلنا إلى مكان المطعم. جلسنا على الأرض لأنّنا لم نجد كرسيّا واحدا, وأكلنا وشربْنا, وروت لي كلّ شيء.
أمَّا سامية فحكاية أخرى.
حين أمسكت سامية بيدي أمام قبر علي أبو طوق داخل مخيَّم شاتيلا, قلت لها مريم, فَحَنَتْ رأسها كأنَّها مريم.
هنا يقع الخلل الأساسيّ.
فالأبطال يَحْنُون رؤوسهم حين نروي حكاياتهم. حتَّى فوزي القاوقجي أحنى رأسه وهو يستمع إلى ذكرياته.
كان قائد جيش الإنقاذ في السبعين من العمر, حين التقينا به في مركز الأبحاث الفلسطينيّ في بيروت. كان يقف في مكتب مدير المركز الدكتور أنيس صايغ ويروي ذكرياته عن بطولات جيشه. ثمَّ وضع رجله اليمنى على الكرسيّ ورفع بنطلونه إلى الأعلى, فرأينا آثار الرّصاص.
(تسع رصاصات), قال.
كان فوزي القاوقجي طويلاً ورفيعا, وإلى جانبه تقف زوجته الألمانيّة البيضاء الممتلئة, وهي تحاول أن تعيد البنطلون إلى مكانه وهو لا يكترث لها.
الأبطال لا يكترثون.
كانت رجل القاوقجي اليمنى طويلة وبيضاء, وقد تساقط الشَّعر منها, ولم يبق سوى أخاديد داكنة تخترقها في كلِّ الأماكن, والزوجة الألمانيّة تحاول أن تشدّ البنطلون وهو لا يكترث.
الأبطال يحكون حين يصيرون أبطالاً.
هل كان الأبطال يعلمون أنَّهم سيصبحون أبطالاً? هل كان علي يعلم وهو يركض تحت القذائف, في أزقّة مخيَّم شاتيلا المحاصرة, أنَّه سيصير بطلاً, وستصير حكايته حكاية?
فوزي القاوقجي صدّق الحكاية.
كان يقف وسط الغرفة, ونحن حوله, ويروي. كنّا قد قرأنا مذكّراته التي صدرت في كتاب. روى لنا أشياء من الكتاب, ونحن نستمع إليه وكأنَّنا لم نقرأ. روى عن التجمّع في غور الأردن, عن مجموعات الفرسان التي التقت في الغور وكيف قطعت النَّهر إلى فلسطين. ولكن لم يكن يخبر الحقيقة. مجموعات الفرسان التي أخبرنا عنها التقت في الغور عام 1936 لا عام 1948. عام 1936 كان القاوقجي يقود كوكبةً من المتطوّعين, وعام 1948 كان يقود جيشا. ولكنَّه حين وقف أمامنا ليروي لم يميّز بين الحربين. روى عن نفسه وكأنّه وُلِد قائدا لجيش الإنقاذ. واستمعنا إليه وصدّقناه. لماذا لا نصدّقه? ما الفرق بين 1936 و1948? وغدا عندما سأقف أنا, أو سيقف عليّ, عليّ لن يقف لأنَّه مات, لكن لنفترض أنَّ عليّا لم يمت. علي يصلح للوقوف أكثر منّي, لأنَّه مثل القاوقجي, كان مصابا بخمس طلقاتٍ في رجله. وعندما التقيت به للمرّة الأولى, كانت قدمه اليسرى داخل الجفصين, وكان يمشي متكئا على عصا ويعرج. بعد أن شفيت قدمه ولم يعد يعرج ظلَّ يحمل العصا, وحين يتذكَّر نفسه كان يعرج قليلاً. لكأنَّه اعتاد على أن يعرج ولم يعد يريد أن يمشي كما كان يمشي قبل أن تصيبه الطلقات في قدمه اليسرى على مدخل حيّ البرجاوي في بيروت.
لنفترض أنّ عليّا كان يروي.
لنفترض أنّني أقف ومعي مجموعة من النَّاس, في مركز الأبحاث الفلسطيني نفسه, الذي حوّلوه إلى مقبرة بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982, حين نسفوه بسيَّارة مفخّخة, فماتت حنّة شاهين القادمة من (فسوطة) في الجليل, وصارت سعاد كسيحة, ودخل ثلاثون من العاملين فيه المستشفيات, وبقيت أشلاء الموتى في شارع (كولومباني) ثلاثة أيَّام قبل أن يأتي عمَّال التنظيفات ويرشّوا الحيّ بالماء والمبيدات.
لنفترض أنّ كل شيء عاد كما كان, وأنّ عليّا يقف والكهولة تغطِّي شعر رأسه, ويروي لنا ذكرياته.
ماذا سيروي?
هل سيجد متّسعا في الذاكرة ليميّز بين معارك أيلول 1970 في الأردن, وبين حصار مخيَّم شاتيلا في بيروت عام 1985?
أم كان سينسى قليلاً, ويخبرنا عن سامية وكأنَّها كانت رفيقته في قواعد الفدائيّين في (غور الصافي); ويحدثنا عن أولاده الذين يدرسون في عمَّان, مع أنّهم كانوا سيدرسون في تونس?
أراه أمامي كما رأيت القاوقجي.
القاوقجي كان طويلاً ورفيعا, وأمّا عليّ فكان قصيرا ونحيلاً وله لحية كثَّة وحاجبان مقفلان. أراه يحكي عن بطولاته وينسى التواريخ.
(لماذا تصدّقون?), سألت مريم.
(لا أعرف), جاوبتها. (نصدّق لأننا نشعر بالهزيمة, المنتصر معنيّ بالحقيقة, يقسّم الزَّمن إلى مراحل, ويميّز بين مرحلة ومرحلة لأنّه يريد أن يسيطر على الماضي والمستقبل, وأمّا نحن?).
(نحن ماذا?), سألتْ.
(نحن لم ننهزم بعد), قلت.
(وماذا تسمّي ما يجري?).
(هزائم, لكنّنى لا أستطيع أن أصدّق).
(لا تصدّق لأنّك مهزوم, تصدّق حكاياتك وتنسي الحقيقة).
ومريم كانت تعلم.
قالت لي إنَّها كانت تعلم أنَّ الفتى سوف ينظر إليها, وستمتلئ عيناه بالرَّغبة. نسيت أن أخبركم أنَّنا حين صعدنا إلى المطعم المهدَّم, كانت الحرب قد انتهت, وكان الجيش اللّبنانيّ قد انتشر في الوسط التِّجاريّ. ذهبنا أنا ومريم إلى مطعم (لوكولوس), ورأينا الجنود المتعبين جالسين على الأرض بين الرّكام والدمار. كانوا من (فوج الأغرار). سألنا المجموعة التي كانت تشعل نارا قرب مبني المطعم من أين هم, فقالوا من الشمال. دعوناهم إلى الغداء معنا فتردَّدوا. كانوا خمسة جنود, صعد ثلاثة معنا وبقي اثنان تحت. كان الفتى الطويل الأسمر ذو الشَّارِب الأسود الرَّفيع ينظر إلى مريم, وهي تبتسم له. ثمَّ بدأ يخبرها حكاياتٍ عن عائلته. وأمَّا أنا فلم أستمع, كنت مدهوشا بقدرة مريم على الاستماع وعلى دفع الآخرين إلى الكلام. ثمَّ اختفت, نزلت مع الجنديّ الطَّويل الأسمر كي تسكب الطَّعام للجنديّين اللَّذين بقيا تحت للحراسة, ولم تعد إلاَّ بعد وقتٍ طويل.





رد مع اقتباس