يشبه البحر الميّت خاصرة العالم. هكذا كان سيقول محمود درويش لو جاء معي إلى هنا. سيقول إنَّه سيركض إلى هناك ويعود. وسيدخل أريحا, ومنها إلى تلال القدس. أضواء القدس تنبعث من خلف اللّون الرَّماديّ الذي يفصل منخفض الغور عن الأرض.
(هل ستعود?), كنت سأسأله.
وسيجاوب كمن يسأل, (من قال بأنَّ الأرض تورث كاللُّغة?).
وسأخبره عن حكاية القدس. سأخبره أنَّ المتصوِّفين العرب كانوا يعتقدون أنَّ القدس تقع في نقطة هي الأقرب إلى الجنّة والجحيم. على تلالها تستطيع أن تستمع إلى تسابيح الجنّة وتشمّ رائحتها, وفي وديانها تستمع إلى صراخ الجحيم وتشمّ رائحتها. ولذلك كان المتصوّفون يرفضون الإقامة فيها, وينصحون النَّاس بمغادرتها, لأنَّها مدينة البكاء. سوف يهزّ برأسه وهو يستمع إلى الحكاية, ويُصاب بدهشة يحجبها خلف نظَّارتين سميكتين وسيحدِّثني عن (الهدنة مع المغول).
(الهدنة مع المغول مستحيلة), سوف أقول له, (لأنَّ الهدنة تفترض اقترابا من الحقيقة).
(ما الحقيقة?), سألتني مريم.
(إنَّها لقاء كذبتين), هل تستطيع كذبتان أن تلتقيا فوق أرضٍ واحدةٍ لتعطياها حقيقتها?
(أيَّة كذبتين)? سألت مريم.
(إميل والرَّاهب), جاوبتها.
(وفيصل)?
(فيصل لا, إنَّه المنام, إنَّه الحكاية التي أحاول أن أرويها).
(لكنَّك تروي حكاية أخرى).
ماذا أكتب?
لست أدري. أشعر بالكلام يتخلخل ويتفكَّك.
نحن أمام البحر الميّت.
(إنَّه بحر الملح, ويُدعى بحر العربة والبحر الشرقيّ وبحر سدوم. يبعد بحر الملح 16 ميلاً عن أورشليم شرقا, ويُرى جليّا من جبل الزيتون, وهو في أعمق جزءٍ من الغور الممتدّ من خليج العقبة إلى الحولة. طوله 46 ميلاً, وأقصى عرضه عشرة أميال ونصف الميل. ومساحته 300 ميل مربَّع تقريبا. وأمَّا ماؤه فلونه صافٍ, ويحتوي هذا الماء على 25 في المئة من المادّة الجامدة, نصفها ملح اعتياديّ, ومن جملتها كلوريد الماغنيسيوم الذي يكسبه طعمه المرّ. ويذكر حزقيال أنَّ من علامات الحياة في ملكوت الله الجديد, شفاء مياه البحر الميّت, وتكاثر أنواع الأسماك فيه).
(هل مشى المسيح هنا?), سألت مريم.
(لا), قلت, (مشى في بحيرة طبريَّا التي كانت تسمَّى بحر الجليل).
(وهنا)?
(هنا لا أحد).
لكنَّني أراه اليوم, أى سنة 1991, في نهاية هذا القرن المتوحش الذي بدأ بمذبحة وانتهى بجريمة. أراه وحده ميِّتا ومصلوبا ويمشي على وجه المياه.
إنَّه الغريب الوحيد.
غريبٌ في مملكة الغرباء التي حاول تأسيسها, هكذا كانت تعتقد الشَّركسيّة البيضاء.
كانت تقف مرّة في العام, يوم الجمعة العظيمة, في كنيسة (سيِّدة الدخول), تتَّخذ لنفسها مكانا ثابتا في جنازة المسيح, على يمين الأيقونسطاس, قرب كرسيّ المطران, وترتِّل جميع الصلوات, وحين يصل المرتِّل إلى ترتيلة (الغريب), كانت تركع مع الرَّاكعين, وترتِّل بصوتٍ مرتفعٍ, والنَّعش يدور فوق رؤوس المصلِّين. الجميع ينظرون إلى النَّعش وينتظرونه للتبرُّك به, ما عداها, فهي كانت تؤخذ بالغريب ويرتفع صوتها. وكان المرتِّل إلياس متري, المعروف بتشدُّده في أصول التَّرتيل البيزنطيّ, يترك لها فراغات في ترتيلته, ليعطي صوتها مجالاً كي يبرز ويستمع إليه النَّاس.
(أعطني هذا الغريب,
الذي منذ طفوليّته تغرَّب كغريب,
أعطني هذا الغريب,
الذي أماتوه بغضا كغريب,
أعطني...).
كانت ترتِّل, والدّموع في عينيها, وصوتها الأنثويّ الرفيع يتسلَّل من بين ثنايا صوت إلياس متري القويّ, والنَّاس يبكون, والنَّعش يدور, والموت يدور.
إسكندر نفَّاع كان ينظر إلى هذه الغريبة التي دخلت حياته, وكأنَّه يبتلعها بعينيه. كان يريد أن يتحوَّل إلى امتدادٍ لجسدها الأبيض الغريب. صحيح أنَّه لم ينجب منها, ولكنّه عشقها طوال حياته. كانت كهولة, إسكندر نفَّاع سريعة, فلقد تزوَّج بوداد الشَّركسيّة وهو في الخمسين, وكانت هي في الرَّابعة عشرة. وبعد زواجه بثلاث سنوات بدأ يمرض. أُصيب بنوبةٍ قلبيّة, ثمَّ توالت الأمراض. في البداية لم يزره أحدٌ من أولاده الخمسة, تركوه يموت كالكلب, كما أمرت لودي زوجته الأولى. ثمَّ مع الأيَّام, ولأنَّ كهولة نفَّاع طالت إلى ما لا نهاية, عاد الأولاد لزيارته, وهناك تعرَّفوا من جديد على (الكلبة الشَّركسيّة) كما كانت تسمِّيها أمّهم, ورأوها وهي تعتني بالرَّجل وتسحبه من فم الموت, وكأنَّها تحمل في يديها سرّ حياته, وكأنَّ سحرها وجمالها هما الخيط الدَّقيق الذي يربطه بالحياة.
(لولاها لمات أبي).
قال جورج لأمّه.
(الله لا يردّه).
صرخت مدام لودي وبكت.
وبعد إلحاح أولادها زارته, وهناك رأت الشَّركسيّة البيضاء. لم تعد تشبه الخادمات, صارت امرأة. دخلت لودي البيت, وكانت ترتجف بالكراهية. الشَّركسيّة حين رأتها ركضت نحوها وقبَّلت يدها وبكت. ورأى جورج نفَّاع ذلك الجمال الأبيض وهو يتحوّل إلى حكاية.
قلت لمريم عن وداد الشَّركسيّة.
أخبرتها كيف خرجت وحدها من البيت. كانت قد عاشت أيَّاما صعبة. رفضت نصيحة ابن زوجها للمجيء والإقامة معه في بيته. كانت وحيدة تحت القصف والخوف, في منزلها الصغير الذي عاشت فيه ثلاثين عاما وهي تخدم إسكندر المريض, ثمَّ عاشت فيه ثلاثين عاما أخرى لا تزور ولا تُزار. تذهب إلى الكنيسة صباح كلّ أحد, وتعمل في مأوى العجزة كمتطوِّعة, وتحبّ الجميع. وعندما أُصيبت بالمرض, رفضت أن تغادر بيتها. قالت لجورج أن يهتمّ بعائلته وأغمضت عينيها, وسمعها الابن وهي تدندن بَيْتَي الشعر اللّذين كانت تقولهما لوالده لحظة احتضاره.
إسكندر شبه غائب عن الوعي, وداد إلى جانبه تمسك بيده, وجورج وكاتيا وربى وسمر وجاكلين في الغرفة. يفتح عينيه قليلاً, تهرع ابنته كاتيا إلى جانبه, يلتفت ناحية وداد, تنحني وداد إلى جانب رأسه, وتقول شعر امرئ القيس الذي كان يحبّه. وإسكندر يبتسم ثمَّ يغمض عينيه.
(مات مبتسما), قال جورج.
والآن, وداد في فراشها وترفض أن تغادر البيت. انحنى الابن فوقها, فقالت البيتين وابتسمت, لكنَّها لم تمت كما مات زوجها منذ ثلاثين سنة.

أجارتنا إنَّ المزار قريبُ


وإنّي مقيمٌ مـا أقــامَ عسيبُ


أجارتنا إنّا غريبان ها هنا


وكلُّ غريبٍ للـغريبِ نسيــبُ



قالتهما ولم تمت.
وبعد بضعة أيَّام خرجت إلى الشارع.
لا, لا, قبل أن تخرج, حدث ذلك الأمر الغريب.
وكانت النهاية أكثر غرابة من البداية.
قلت لمريم إنَّ النهاية قد تكون أكثر غرابة. هذه بيروت. فبيروت تحوّل الأشياء إلى نكهة من الغرابة الأليفة. يخبرونك حكاياتهم فتشعر أنّك سمعتها من قبل, ومع ذلك تُصاب بالدهشة. بيروت هكذا, دهشة الأشياء الغريبة التي تعطيك شعورا غامضا بالألفة.
(نحن لا نعرف البداية), قالت مريم. (نعتقد أنّنا نعرفها, ولكنَّنا لا نعرف شيئا). وقالت إنَّ بداية وداد الشَّركسيّة لا نعرفها لا نحن ولا هي. هي نسيت. ماذا ننتظر من فتاة تُخطف من إحدى قرى أذربيجان وهي في الحادية عشرة, ثمَّ تُرحَّل إلى الإسكندريّة, ومن بعدها إلى بيروت حيث اشتراها الخواجة إسكندر?
لم تكن شركسيّة.
إسكندر قال لزوجته إنّه سيتزوَّج الشَّركسيّة, عندما رأته وهو يحتضنها في المطبخ والفتاة تتأوَّه تحت ذراعيه. هذا ما جنَّن الرجل. ذلك التأوّه الذي كان يصدر من العينين اللَّتين لم يستطع إسكندر أن يحدّد لونهما طوال حياته.
دخلت لودي إلى المطبخ ورأتهما فصرخت.
أمّا هو فلم يتحرّك أو يرتبك.
(مع الصَّانعة يا كلب!).