(اخرسي), صرخ, وتزوَّجها.
قال إنّه سيتزوّجها وتزوّجها. لم يصدّقه أحد. خرج إسكندر من بيته وأخذها معه, أشهر إسلامه, أعتقها وتزوّجها, وسكن معها هذا البيت الصغير المبنيّ من الحجارة الرمليّة السميكة, والمطليّ بالأصفر, وتحيط به حديقة فيها ثلاث أشجار فتنة وياسمينة وشجرة لوز. وصار يعزف على العود ويغنّي لها, وهي إلى جانبه. ترك عمله, أو على الأصحّ خفّف من حضوره في الدكّان, واختلف مع جميع النَّاس من أجلها وأحبّها.
لودي قالت لأولادها إنّه مجنون, وإنّ الرِّجال كلاب.
(داروين على خطإ), كانت تقول, (فأصل الإنسان ليس قردا, أصله كلب, والدليل هو الخواجة محمد إسكندر نفَّاع).
وكان إسكندر وزوجته الجديدة يذهبان صباح كلّ أحد إلى الكنيسة. لم يسأله أحد لماذا يصلِّي هنا, بعد أن أسلم, وكيف? وقيل إنّ الشَّركسيّة تعمّدت, ولكن لا أحد يعرف.
أمَّا بالنسبة إلى جورج وشقيقاته الأربع فكانت الحكاية فضيحة. تربّى الأولاد في بيت هجره رجله وتعبق منه رائحة الفضيحة. الأولاد رفضوا زيارة والدهم في البداية, أمّهم منعتهم وأطاعوا أمَّهم, ثم صار الامتناع عن زيارة الوالد طبيعيّا. ولكن حين مرض, وقد مرض بعد ثلاث سنوات من زواجه, بدأوا بزيارته, وأحبُّوا هذه المرأة الصغيرة التي تشبه السَّاحرات.
يذكر جورج نفاع تلك المرأة كظلٍّ أبيض.
عندما أُصيب والده بالذبحة القلبيّة ذهب إلى المستشفى ورآها. كانت تجلس على كرسيٍّ في الجانب الأسفل من السرير وتنظر إلى قدمي الرجل. وبين وقتٍ وآخر كانت تمسّد قدميه بيديها, والدموع متجمّدة في عينيها وكأنَّها بكت طويلاً, أو هي على وشك البكاء.
يومها رآها.
قال جورج لأمل التي سيتزوَّجها بعد خمس سنوات, إنّه رآها يومها. في البيت كانت غير موجودة, كانت كأنّها طيف, وأمّا في المستشفى فتحوّلت إلى شيء آخر. يومها رأى الضوء, رأى امرأة يحيط بها الضوء. كان بياضها يضيء. بياض ليس مائلاً إلى الاحمرار كما هو حال نساء بلادنا. بياضٌ خاصّ, كأنّه مزيجٌ من لونين أبيضين, والضَّوء يشعُّ من داخل فجوة سرّيّة بينهما.
عاد إسكندر إلى بيته بعد أسبوعين, وصار جورج يزور والده كلّ يوم. وفي كلّ يوم كان يراها تمشي بصمت وكأنَّها لا تمشي. يسمع خشخشة ثيابها ولا يسمع وقع قدميها أو صوت تنفُّسها. كأنّها ممرِّضة. في تلك الأيَّام لم يكن جورج ولا شقيقاته يتكلَّمون معها. كانوا يأتون لزيارة والدهم فيرونها لحظةً ثمَّ تختفي. يمدّ جورج يده فتعطيه يدا صغيرة طريّة, ثمَّ تنسحب إلى المطبخ, تعدّ الشاي والقهوة وتعود.
تجلس على كرسيٍّ في الجانب الأسفل من السرير, وبين وقت وآخر, تمدّ يدها وتمسّد قدمي الرجل. وقبل أن يطلب شيئا كانت تعرف. يرفع رأسه ليطلب الماء, فيكون الكوب قد وصل إليه قبل أن يطلبه. وجورج ينظر إليها ويخاف أن يسأل. هل يمكن أن ينام رجلٌ مع هذه المرأة? إنّها كالطّيف الشفَّاف, فهل يمكن تمزيق هذا الحجاب من الصَّمت الذي يحيط بها?
ومرَّت الأيَّام.
لم يسأل جورج والده شيئا عنها. مرّة واحدة سأل عن الذكريات وعن أهل الفتاة واسم قريتها أو مدينتها. نظر إليه الأب بعينين نصف مغمضتين, حين يريد أن يوحي لزوجته لودي أو لأولاده بالغضب. نظر الأب بعينيه نصف المغمضتين إلى ابنه كي يجبره على إقفال الموضوع. ولكنّ جورج لم يقفله. لم يكن جورج آتيا في الأصل لمناقشة هذا الموضوع مع والده, كان قد قرّر أن يفاتح والده في موضوع العمل والزواج. قرّر جورج بعد أن أنهى دراسة إدارة الأعمال في الجامعة الأميركيّة في بيروت, أن ينزل إلى الشغل ويستلم الدكَّان. هكذا اتّفق مع أمّه لودي. قالت له أمّه إنّ عليه أن يرث الآن.
(أبوك مريض ويمكن يموت بأيّ لحظة. روح وخود كلّ شي, ما تقبل إلاَّ تستلم وحدك, وكلّ شي إلك. بكرا بيموت وبتورثنا الصَّانعة).
تابع جورج أسئلته عن الذكريات, فقال له أبوه (اسألها أنا لا أعرف). لم يسألها جورج, خاف أن تكون عارفة, خاف أن تجاوبه بأشياء لا يريد سماعها.
لو سألها لكان حصل على الجواب نفسه الذي سمعه من والده. فوداد البيضاء كانت لا تعرف. ما تعرفه يعرفه إسكندر, وما لا يعرفه إسكندر مُحي من الذَّاكرة. حتَّى تلك السنة التي قضتها في الإسكندريّة خادمةً في منزل آل خيَّاط اللبنانيّي الأصل الذين كانوا يملكون باخرتيْ شحن تعملان على خط الإسكندريّة - بيروت - مرسيليا, غابت في ذاكرتها, وتحوّلت إلى ما يشبه الطَّيف.
سكت جورج, وكان الأب مستلقيا على السرير يتنفَّس بصعوبة.
قال جورج عن العمل..
فتح إسكندر عينيه وقال طبعا. قال له أن ينزل إلى الشغل غدا, وأنَّ وديع السخن سوف يعطيه كلّ شيء ويعلّمه كلّ شيء. (هو مثلي), قال إسكندر, (عامله كما تعامل والدك). ثمَّ طلب من البنت أن تأتي. أتت راكضة. يومها فهم جورج سرّ مشيتها الصَّامتة. كانت لا تلبس حذاء, تمشي في البيت حافية. لم يرها جورج إلاَّ مرّة وهي تلبس حذاء, حتَّى عندما تخرج من البيت, كانت تلبس إسكربينة مطَّاطيّة لا كعب لها, وتمشي وكأنَّها حافية. رآها جورج وهي تأتي مسرعة وتمشي كأنّها تطير.
جاءت البنت.
أشار لها إسكندر بيده. ذهبت وعادت وهي تحمل الأوراق. أعطى إسكندر الأوراق لابنه. كانت أوراقا رسميّة موقّعة عند كاتب العدل, وتحتوي على تنازل عن الدكّان ومحتوياته للابن. أخذ جورج الأوراق وقرأها, وانحنى يريد تقبيل يد والده. أزاح الوالد يده وأشاح بوجهه. كان إسكندر نفَّاع يبكي.
ذهب جورج دون أن يسأل عن الأمر الثاني. جاء من أجل الزواج لا من أجل الدكَّان. لم يكن مقتنعا باقتراح والدته. كان يعتقد أنَّ الأمر سابق لأوانه, وأنَّه لن يستطيع أن يحدّث والده عن الميراث والموت. ولكن إسكندر والشَّركسيّة كانا قد أعدّا كل شيء. أخذ جورج الأوراق وجلس صامتا, يستمع إلى بكاء والده الصَّامت, ويرى انحناءة الشَّركسيّة البيضاء على قدميه.
في زيارات جورج المتكرِّرة لوالده, لم يكن إسكندر يريد أن يسمع شيئا عن الدكَّان. كان يكتفي بمراجعة الحسابات وتوزيع الأرباح بينه وبين ابنه. شفي إسكندر. كان الدكتور نجيب قد قال لجورج, بعد الذبحة القلبيّة الثالثة التي أصابت والده, إنّ إسكندر لن يعيش. فانسداد الشرايين لن يترك له متّسعا من الوقت. ولكنّه عاش كما في أعجوبة. لودي التي انتظرت موته, وانتظرت تلك اللَّحظة التي ستركع فيها الشَّركسيّة البيضاء تحت قدميها, كي تطلب منها أن لا تطردها من البيت, أو أن تعيدها إلى العمل عندها كخادمة, انتظرت طويلاً, وماتت قبل أن يتحقَّق حلمها.
عاش إسكندر بأعجوبة الحبّ, هكذا قال لابنه عندما جاءه ليحدّثه عن الزواج. جاء جورج في الصباح الباكر, كان ذلك في أيلول. الأرض مبلّلة بمطر الصيف الذي يفتح الرئتين على رائحة الأرض. جاء, وكان الأب كعادته كلّ صباح, يجلس في الحديقة قرب شجرة الياسمين, يشرب القهوة ويدخِّن نارجيلته. لم تكن الشَّركسيّة معه. كانت في الداخل تتحمّم. هكذا كانت صباحات إسكندر الصيفيّة في الحديقة, قرب شجرة الياسمين, يشرب القهوة وينتظر خروجها من الحمَّام. تخرج من الحمَّام بشعرها الطويل المبلّل بالماء ورائحة عطر الصابون, وتجلس إلى جانبه صامتة وهو يحكي. يحكي لها ما يشاء. ينسى ما رواه, ويعيد روايته بطريقة مختلفة. ينظر إليها فيراها تصدّق. كانت تصدّق كلّ شيء أو هكذا اعتقد إسكندر. جورج عرف بعد موت والده بعشر سنوات أنَّ المرأة البيضاء لم تكن تصدّق شيئا من كلام أبيه. طرحت عليه جميع الأسئلة عن أصل العائلة والعمل وكلّ شيء.
بعد موت الزوج, والعمل الطويل في مأوى العجزة, وحكاية العلاقة مع الصيدلاني الأرمني سيرافيم التي لا يستطيع جورج أن يؤكّدها أو ينفيها, رآها جورج بطريقة مختلفة. رأى في ابتسامتها الصَّامتة مكرا ودهاءً ونظرة إلى باطن الأشياء. سألته كالجاهلة وكانت تعرف, أخبرها عن العمل, وعن وديع السخن وابنه موسى, وعن تجارة الثياب الداخليّة التي كانت أحد فروع تجارتهم, وكانت تستمع كمن يشكِّك في كلّ شيء. كأنّها أرادت أن تعرف دون أن تسأل. كان يجد نفسه منقادا إلى الكلام معها. كأنْ لا حول له. يومها فهم جورج سرّ والده. فهم معنى ذلك الكلام الكثير الذي قاله والده عندما طلب منه الموافقة على زواجه من أمل تبشراني زميلته في الجامعة. لم يسأل إسكندر الأسئلة التقليديّة عن أصل الفتاة وفصلها, كما فعلت لودي وهي تحاول إقناع ابنها بالعدول عن الزواج من أمل, وبالتفتيش عن فتاة غنيّة. سأله فقط عن الحبّ.
(هل تحبّها?).
(طبعا), قال جورج.
(شو طبعا), (عم بسألك عن الحبّ, يعني أنت شفت لمن أنا حبّيت شو عملت وشو صار فيّ, بتحبّها هيك)?
(كيف هيك?).
(يعني متل ما أنا كنت أحبّ وداد).
(وهلق بطَّلت تحبّها?).
(هي مش الموضوع, الموضوع أنت).
(ما بعرف), قال جورج. (بعرف إنّي بحبّها وبدِّي أتزوَّجها).
(الزواج غير الحبّ يا ابني).
(أنت تزوَّجت لأنّك بتحبّ).
(صحيح, أنا تزوَّجت وداد لأنّه ما كان في حلّ تاني. بس وداد كانت قصّة حبّ).
في ذلك الصباح تأخَّرت وداد كثيرا في الحمَّام. لم تأتِ برائحة عطر الصابون لتجلس إلى جانب زوجها, وتسكت كما كانت تفعل كلّ صباح. تركته وحده مع ابنه يتحدّثان حتَّى الظهر, ويومها عرف جورج الحكاية. عرف أنّ والده أصيب بما يشبه الجنون عندما احتضن الفتاة البيضاء في المطبخ, وأنّه لم يعد يعرف كيف يتصرّف, (كأنّني شربت برميل عرق, صرت دائخا في البيت وفي العمل. كنت أريدها. لا, ليس النوم معها فقط, ليس الجنس, الجنس مسألة أخرى, كنت أريدها لي, أريدها كلّها, أريد كلّ شيء).
و(الآن?), سأل جورج.
(الآن, ماذا الآن?), جاوب الأب, (من يحكي عن الآن?, الآن هي لي, لكنّني لا أعرفها, عندما أخذتها إلى فندق (صوفر الكبير) وتزوّجتها اعتقدت أنّها صارت لي, وهي صارت لي بكلّ المعاني, لكن الحبّ يا ابني هو أن لا يكون الآخر لك, هو أن تبقى الهوّة مفتوحة. وداد بقيت هوّة مفتوحة. حاولت أن ألغي الحبّ بالزواج, أن أدجّن الرغبة في السَّرير, ولكنَّني اكتشفت الهوّة, ربَّما لأنّها امرأة غريبة, ربَّما لأنّى أشمّ فيها رائحة غريبة. أرى في أنفها أنّها تشمّ روائح لا نعرفها. ربَّما لأنّها ليست امرأة, والله هذه ليست امرأة, أنت لا تعرف بالنسوان).
(...)





رد مع اقتباس