جورج قال لأبيه إنّه لا يشعر هكذا, وأنَّ الأمر مختلف. قال إنّه يريد الزواج من أمل لأنّه يشعر أنّها زوجته. يشعر أنّه لا يستطيع شيئا من دونها وأنّه يحبّها, ويريد منها ولدا.
ضحك إسكندر, (تريد ولدا, أنا عندي خمسة أولاد, لكن في الحبّ لم أنجب أحدا. في الحبّ عشت أنا وهذه البنت ولم نكن بحاجة لأحد).
(لأنّها من عمر أولادك), قال جورج.
(من عمر أولادي, صحيح, لكنّها من عمر أجدادي أيضا. أنت لا تفهم في الأعمار, العمر لا معنى له, العمر شيء خارجيّ, الإنسان لا عمر له, هل تعرف عمرها? أنا لا أعرفه, لكنّني أعرف أنّه قديم وعميق, اذهب واسألها, لن تجاوب, هي لا تجيب, حاولت ألف مرّة أن أسألها, قلت لك إنّني لم أسألها شيئا, كذبت عليك, سألتها ولم تجب. أعرف أنّها لا تعرف الجواب, الجواب في داخلها ولا تعرفه. هي مثل أولادي, صحيح, وهي مثل لا أعرف... مرّات أعتقد أنّني أمام كائن غريب. لم أشعر معها بحاجة إلى الأولاد, وهي أيضا لم تشعر, عشنا بلا أولاد, الأولاد قبل الحبّ أو بعده. لكن لا تخلط بين الحبّ والأولاد).
كان إسكندر يكذب على ابنه, وكان الابن يعرف أن الأب يكذب عليه, ولكنّه لم يقل له ذلك. كان جورج يعرف قصّة طلب وداد لميرنا, وكيف صارت تبكي وتتحوّل إلى ثياب مبلّلة بالدموع, بعد أن رفض إسكندر طلبها تبنِّي الفتاة اليتيمة السمراء التي كانت تعيش في ميتم (زهرة الإحسان). كان جورج يعرف أنَّ الكلام في موضوع الحبّ والزواج والأولاد لا يوصل إلى نتيجة, لا لأنَّ والده يكذب, بل لأنَّ الموضوع يولِّد الكذب. ففي هذه الأمور يصبح الكلام تبريرا للرغبة والحالة. لا يعود الكلام موقفا, وأمّا حكاية العمر التي كانت حجّة والده في دعوته إلى التريّث قبل الزواج من أمل فهي حجّة مضحكة. استمع طويلاً إلى رأي والده في الأعمار, وإلى نظريّته عن وداد التي لا عمر لها, وكاد يقتنع, بل هو اقتنع. ثمّ جاءه إسكندر بتلك الحجّة عن أنّ عمر أمل هو من عمره, وأنّه من الأفضل أن يتزوَّج الرجل امرأة تصغره بعشر سنوات, لأنَّ البيولوجيا النسائيّة مختلفة عن البيولوجيا الرجاليّة, عندها نهض جورج وقال لوالده إنَّ حجّته تافهة.
(طز على البيولوجيا, ما أنا اقتنعت بإنّو مرتك ما إلها عمر, ليش مرتي لازم يكون إلها عمر).
(لأنّو ما بعرف), قال إسكندر, وصمت علامة الموافقة على الزواج.
حكاية العمر كانت تحيّرني وأنا أستمع إلى مريم وهي تروي لي عن ذلك الجنديّ الذي ذهبت معه قرب مطعم (لوكولوس). كان الجنديّ فتى في السابعة عشرة, أو هكذا بدا لي, وكانت مريم في الثالثة والثلاثين. عمرها من عمر المسيح. عندما أخذتها في تلك الأرجوحة على شرفة البحر, كنت أعرف أنّها في الثالثة والثلاثين. شممت فيها رائحة المسيح. هذا هو العمر الذي يتوّج الأعمار. هكذا كنت أعتقد من زمان. يوم علمت أنّهم صلبوه وهو في الثالثة والثلاثين, وقلت أنا أيضا, سوف أموت في الثالثة والثلاثين. وعندما وصلت إلى عتبة ذلك العمر ركبني خوفٌ لا مثيل له. هو كان يعرف أنّه إذا مات لن يموت, وخاف. وأمَّا أنا فلم أكن أعرف, فكيف لا أخاف? مرّ العمر, ونسيت تلك الحكاية عن الخوف من الثالثة والثلاثين إلى أن ذهبت مريم مع ذلك الجنديّ الطويل الأسمر, وتركته يموت. عندما ذهبت معه, ورأيتهما يبتعدان وسط الأزقّة المهدّمة قلت مريم ستموت. أردت أن أصرخ لها بأن لا تموت. وسمعت الانفجار ورأيتها تعود بخطى واثقة ونظرات بعيدة وكأنَّها لم تسمع أو تَرَ. تركتْ الفتى يموت وعادت. كنت أعلم أنَّها تملك نظريّتها الخاصّة في الأعمار. هي أيضا كانت تريد أن تمضي, لأنّها كانت تبحث عن ذلك الوهن الذي يكتسح العينين لحظة تبدأ الرغبة. أرادت أن ترى كيف يبدأ الجنديّ. ولكنّه بدل أن يبدأ مات. لم تقل لي مريم شيئا عن هذه المسائل, لم تقل لي إنَّ الرغبة تبدأ عندما تنتهي العيون. قالت إنّ مروان العاصي لم يكن يحبّها لأنّه كان ملتصقا بعينيه. كانت عيناه تقودانه إلى النَّظر في الأشياء. وأمَّا الجنديّ فقد ضاعت عيناه قبل أن يبدأ بالأكل. حملت طنجرة الفاصوليا وجلست قربه, كان جائعا, ولكنّه لم يأكل. أكل لقمة واحدة وقال إنّه شبع, وكانت هي تأكل. أكلت معي فوق في المطعم المهدّم, ثمَّ نزلت وأكلت مع الجنود. أنا لم آكل, والجنديّ لم يأكل, لكن الفرق أنّه مات وأنا لم أمت. هذه هي المسألة التي تحيّرني في حكايتي مع مريم. لا أريد أن أروي حكايتها الآن, أريد أن أروي رأي إسكندر نفَّاع بالأعمار, وأنا أوافقه, فالأعمار ليست قط بيد الله, وهي طبعا بيده, ولكنَّها أيضا مسألة لا تنتهي عن ماضٍ لا نعرفه. وداد البيضاء كانت بلا عمر, لأنّها جزءٌ من كهف أسود مليء بالذكريات الممحوّة, وأمّا مريم فحكاية أخرى. كنت أراها تنزلق إلى عمرها وتخاف من الكهولة. كنت أراها وأقول لها إنّه لا عمر لها, ولم تكن تصدّقني, ظلّت لا تصدّقني حتَّى ذهبت مع ذلك الجندي وتركته يموت, يومها عادت وقالت إنّها صدّقتني, ولكن الأوان كان قد فات. لم أعد أنا أصدِّقها. صرت أراها مثل ثوب ينزلق عن جسدها الأبيض. لم أصدّق الثوب ولم أصدّق الجسد. لم أقل لها إنّني مريض وأريد أن أغمض عينيّ كي أرى. وتركتها تذهب. رأيتها تذهب, هي لم تذهب, ربَّما ألّفتُ القصّة عن الجنديّ حتَّى أعطيها حرّيّة الذَّهاب. وذهبت.
سألتني مريم عن المريمات.
قالت إنّ ما يحيّرها في المسيح هو عدد المريمات اللَّواتي كنّ حوله.
و(أنتِ من تكونين?), سألتها.
قالت إنّ حكاية المريمات هي حكاية إسكندر. كان إسكندر يبحث عن مريمته الخاصّة كي يقوم بأعجوبته, (تذكّر قانا), قالت. (في قانا كانت أمّه, وهي التي دفعته إلى صنع أعجوبته الأولى, وأمام قبر لعازر كانت مريم أخرى, وفي القيامة كنّ جميعهنّ. إسكندر كان يبحث عن أعجوبيه, عن مريمته التي نسيت الملح وراحت. كان يريد أن يستعيد الملح الذي أغرق البحر الميِّت, وأغرق العالم).
في وادي الأردن, على ضفّة البحر الميّت الشرقيّة, رأيت ذلك الأفق الرصاصيّ الذي يغلّف العالم. كأنّنا في نهاية الكون, حيث الغيوم تمتدّ فوق الغمر وتبقى شفَّافة, كأنّها مرايا منثورة فوق التِّلال التي تحجب الوادي عن مدينة القدسَ. أضواء الغروب, والشَّمس تنام داخل المياه المالحة.
تقول الحكاية إنّها امرأة.
في ذلك الزَّمان, حيث كان الزَّمان وكأنّه لم يبدأ بعد, جلست امرأة تُدعى مريم. ربّما كانت مريم أخت موسى وهارون وابنة عمران, وربَّما كانت مريم.
(... )
ما حكاية المريمات?
سبع مريمات أحطن به في حياته القصيرة.
مريم أمّه التي ولدته ملفوفا بالكفن, ومات فخلع الكفن, وظهر لمريماته اللَّواتي لم يعرفنه في البداية. كان مشرقا كشمس العدل وكنّ حوله:
مريم أمّه.
ومريم أخت لعازر.
ومريم المجدليّة.
ومريم أمّ يعقوب.
ومريم كَلُوبا.
ومريم أمّ يوحنَّا مرقص.
ومريم الأخرى.
سبع مريمات يحطن بالشمس المتلألئة فوق البحر الميِّت الذي شُفيت مياهه وصارت طيِّبة, وهو يقف بينهنّ كغريب.
قلت له يا سيِّد.
كنت واقفا على ضفَّة البحر أنتظره, فقلت يا سيِّد. ثمَّ التفتُّ فرأيت عيون الجنود الأردنيّين من خلف التِّلال ولم أرَ المسيح.
قلت لمريم إنّني لم أرَ المسيح.
هل تعرف مريم ماذا تعني مريم?
إنّها تعتقد أنّ مريم اسم ككلَّ الأسماء, وهو يحيل على النساء اللَّواتي أحطن بالمسيح. لكن مريم شيء آخر. إنّها اسم مليء بالمعاني, مريم تعني العاصي, إنّها كلمة عبريّة تعني العاصي.
هل لأجل ذلك جعل من مريم حوَّاء الجديدة وأحاطها بالمريمات?
مريم الأولى عصته, تقول الحكاية. ومريم الثانية قبلت. لكن أين العصيان الحقيقيّ: في الرفض, أم في القبول?
قال جورج لزوجته إنّ وداد قبلت كلّ شيء. أعطاها إسكندر الصغير, كان يريد أن يعطيها إسكندر الصغير كي تشعر أنَّ لحياتها معنى, لكنَّها قبلت أن لا تعيش المعنَى (الله يخلِّيه لأمّه), قالت, طلب منها أن تكون عرّابة ابنه. إسكندر الابن جاء بعد انتظارٍ طويل. الوالد لم يبدِ رأيا, كان غير مهتمّ بمسألة عجز جورج وأمل عن الإنجاب. وأمّا هي فاهتمّت كثيرا. نصحت جورج بأن يفطر كلّ يوم عسلاً ممزوجا باللبن. (هذا طعام أهل الجنَّة), قالت له. نصحته أن يأكل اللَّبن والعسل ويتَّكل على الله ويتوقَّف عن استشارة الأطبَّاء. وبقي جورج عشرين سنة يأكل طعام أهل الجنّة وينظر إلى فراغ حياته وفراغ بطن زوجته. إلى أن حبلت أمل. فجأة, ودون مقدّمات حبلت أمل, ولم تتوقَّف بعد ذلك عن الإنجاب. أنجبت ستَّة أولاد, أربع بنات وصبيّين. كان إسكندر الصغير يحمل الرقم خمسة بينهم.
عندما وُلِد إسكندر, كان إسكندر الأب قد مات. جاء جورج إليها. جاء راكضا من المستشفى وضمّها إلى صدره وبدأ يبكي.
لحظة رأته يدخل باب بيتها, وقبل أن يفتح فمه, سألته (كيف إسكندر?).
(مَنْ أخبركِ?), سأل.
(رأيته), قالت. (رأيته في منتصف اللَّيل, كنت نائمة, استيقظت على صوت بكائه, فتحت عيني فرأيته).
(وُلِد في منتصف الليل), قال.
ضمَّها جورج وصار يشهق بالبكاء.
قبل العمادة بيوم, جاءها وقال لها إنّه اختارها لتكون عرّابة الصبيّ. قبلت دون أن تناقش أو تفرح بشكلٍ خاصّ. كان جورج يعتقد أنّه يعطيها فرح حياتها. بقيت جامدة, وافقت بحياديّة كأنَّها تستمع إلى اسم امرأة أخرى اختيرت لتكون العرّابة.
وفي حفل العمادة الذي جرى في البيت, لأنّ أمل كانت مريضة, وتعاني من آلام الأسنان الرهيبة التي تصاحب كلّ مولود تضعه, حتَّى انتهى بها الأمر مع مولودها السادس إلى ضرورة قلع جميع أسنانها. في البيت, أمام جرن المعموديّة, وقفت وداد بثوبها الأزرق وطرحتها البيضاء, وأخذت الطفل عاريا من يد الكاهن, ضمّته إلى صدرها حيث كانت تربط منشفة كبيرة بيضاء, لفّته بالمنشفة, وبدأت ترتِّل بصوت منخفض. لم تكن الترتيلة جزءا من طقوس العمادة. رتَّلت بصوتٍ منخفضٍ يكاد لا يسمعه أحد. توقّف الكاهن عن تلاوة صلاته, والتفت إليها بتأفّف واضح, وأراد أن يطلب منها أن تسكت, ولكنّه لم يفعل, تركها تنهي ترتيلتها, وعاد إلى صلاته التي اختصرها كي يذهب إلى الكنيسة حيث تنتظره عمادة أخرى.





رد مع اقتباس