أمل قالت إنّها كانت تشبه سيّدتنا مريم العذراء.
قالت لزوجها في المساء, بعد أن ذهب المدعوون, إنّها خافت عندما رأتها تحمله. كأنّها مريم العذراء, تحمل طفلها وتأخذه إلى الموت.
(دخيلك بلاها هالمرأة, دخيلك ما بدِّى ياها تشوف ابني).
ضحك جورج, وقال لها إنّها هكذا تدندن ترتيلة (أعطني هذا الغريب) دائما, لأنّها تحبّ اللّحن. وشرح جورج لزوجته بشكل مفصَّل أهميّة الألحان البيزنطيّة, ونظريّته في أنّ الكنيسة الشرقيّة لم تضمحل في العالم العربي بفضل الموسيقى, وأنّ الموسيقى البيزنطيّة تمتلك ميزة الخلود, لأنّها تحمل إيحاءً بأنّها ليست من صنع بشريّ. إنّها موسيقى تتداخل فيها بساطة الإنسان وعظمة الموت.
حاول أن يشرح لزوجته أنّ وداد غنَّت لأنّها تحبّ الغناء. وأنّ المقصود هو الأغنية لا مضمونها.
أمل قالت إنّها لا تريد أن ترى هذه المرأة في بيتها.
وداد لم تزر جورج في بيته مرّة أخرى. كانت ترفض جميع دعواته للزيارة, وتكتفي بأن تقول له بأنّها تدعو له ولأولاده.
وعندما أصيب إسكندر الصغير بشظايا القذيفة, وصار مشلولاً, ذهبت وداد إليه وخدمته ستَّة أشهر في المستشفى, وحملته بين ذراعيها كما حملته في عمادته, وبكت كما بكت قبل ذلك بعشر سنوات.
ماذا أكتب?
أين الخلل في هذه الحكاية?
الكتابة عن مريم مستحيلة, ليس لأنّني أحببتها, بل لأنّني أراها أمامي الآن وهي ترتجف بالخوف, ونحن نمشي في ممرّات الخطّ الأخضر الذي كان يفصل بيروت عن بيروت. وأنا أردّد الأسماء. استطعت أن أصل إلى تسعة وتسعين اسما, وصلت إلى العدد الأقصى وأنا أردّد أسماء الأصدقاء الذين ماتوا بين حجارة هذا الخط الدمويّ الذي صنعته الحرب.
وكانت الدمية الشَّركسيّة.
هل كان إميل آزاييف سيفهم مأساة وداد في أيَّامها الأخيرة, أم سيصرّ على تغيير حكاية جرجي الرَّاهب بوصفها حكاية معادية للسَّاميّة? سمعت الحكاية للمرّة الأولى من امرأة كهلة تسكن مخيَّم (الميّة وميّة), قرب صيدا. أخبرته الحكاية كما سمعتها معتقدا أنّها حكاية شعبيّة, وأنّه يجب جمع الروايات المختلفة للحكاية, كي نعيد صياغتها بوصفها جزءا من الأدب الشعبيّ الفلسطيني.
المفاجأة كانت أنّني في بحثي داخل مكتبة جامعة (كولومبيا) في نيويورك عثرت في صحيفة كانت تُدعى (القدس) على وصف لحادثة مقتل الرَّاهب جرجي خيري الدوماني اللبناني.
كتبت الصحيفة في عدد 17 أيَّار 1946 أنَّه عُثِر على جثّة الرَّاهب قرب (باب العمود) في القدس, وهي مصابة بعشر طلقات رصاص. إذن, فما روته لي المرأة الفلسطينيّة لم يكن حكاية شعبيّة, كان حادثة حقيقيّة. هنا يطرح السؤال: ما الفرق? كيف أتعامل مع حكاية الرَّاهب اللبنانيّ? هل أعيد تنظيم رواية المرأة الفلسطينيّة بحسب اقتراح (فلاديمير بروب) بشأن الحكايات الشعبيّة, أم أبحث عن الحقيقة?
وكانت مريم تسخر دائما منِّي حين أخبرها أنّني أبحث عن الحقيقة.
كانت تعتقد أنّني لا أبحث عن الحقيقة إلاَّ من أجل كتابتها, وعندما نكتبها نخونها ونحوّلها إلى حكاية.
ومريم معها حقّ.
ولكن ماذا نفعل غير ذلك?
نكتب أي نكذب, كما كتب غالب هلسا قبل أن يموت من انفجار قلبه في دمشق, بعيدا عن (سلطانة).
لكنّني أحاول أن لا أكذب.
(أنت مثله), قالت مريم.
(من?), سألتها.
(مروان العاصي), تعرفه?
(لا).
قالت إنّه كان, و(كان يحبّني, كنت في الثامنة عشرة, وكان في الأربعين. أحببته كما تحبّ طالبة في الجامعة اللبنانيّة أستاذها, وكان أستاذي. أحببته سنة كاملة. نخرج ونتعشَّى في المطاعم ويحكي لي أجمل الغزل, ويتنهَّد. ثمَّ غبت عنه. لم أغب أنا, بل الحبّ غاب. وتزوّجت وأنجبت. وبعد عشر سنوات التقيته صدفة في أحد شوارع روما. مشينا وذهبنا إلى المطعم والمقاهي, وحكى الغزل نفسه. وفي الفندق قضينا الليل في غرفته, وكان طوال اللَّيل كأنّه سيغمى عليه, أمسك يدي وقبَّلها, ثمَّ انتشرت فوق وجهه غيمة الإغماء ولم ينم معي. في سنة الحبّ تلك كان يكتب لي رسالة كلّ يوم. أحبّني على امرأة تُدعى مريم. ربّما كانت مريم أخت موسى وهارون وابنة عمران, وربَّما كانت مريم.
(... )
ما حكاية المريمات?
سبع مريمات أحطن به في حياته القصيرة.
مريم أمّه التي ولدته ملفوفا بالكفن, ومات فخلع الكفن, وظهر لمريماته اللَّواتي لم يعرفنه في البداية. كان مشرقا كشمس العدل وكنّ حوله:
مريم أمّه.
ومريم أخت لعازر.
ومريم المجدليّة.
ومريم أمّ يعقوب.
ومريم كَلُوبا.
ومريم أمّ يوحنَّا مرقص.
ومريم الأخرى.
سبع مريمات يحطن بالشمس المتلألئة فوق البحر الميِّت الذي شُفيت مياهه وصارت طيِّبة, وهو يقف بينهنّ كغريب.
قلت له يا سيِّد.
كنت واقفا على ضفَّة البحر أنتظره, فقلت يا سيِّد. ثمَّ التفتُّ فرأيت عيون الجنود الأردنيّين من خلف التِّلال ولم أرَ المسيح.
قلت لمريم إنّني لم أرَ المسيح.
هل تعرف مريم ماذا تعني مريم?
إنّها تعتقد أنّ مريم اسم ككلَّ الأسماء, وهو يحيل على النساء اللَّواتي أحطن بالمسيح. لكن مريم شيء آخر. إنّها اسم مليء بالمعاني, مريم تعني العاصي, إنّها كلمة عبريّة تعني العاصي.
هل لأجل ذلك جعل من مريم حوَّاء الجديدة وأحاطها بالمريمات?
مريم الأولى عصته, تقول الحكاية. ومريم الثانية قبلت. لكن أين العصيان الحقيقيّ: في الرفض, أم في القبول?
قال جورج لزوجته إنّ وداد قبلت كلّ شيء. أعطاها إسكندر الصغير, كان يريد أن يعطيها إسكندر الصغير كي تشعر أنَّ لحياتها معنى, لكنَّها قبلت أن لا تعيش المعنَى (الله يخلِّيه لأمّه), قالت, طلب منها أن تكون عرّابة ابنه. إسكندر الابن جاء بعد انتظارٍ طويل. الوالد لم يبدِ رأيا, كان غير مهتمّ بمسألة عجز جورج وأمل عن الإنجاب. وأمّا هي فاهتمّت كثيرا. نصحت جورج بأن يفطر كلّ يوم عسلاً ممزوجا باللبن. (هذا طعام أهل الجنَّة), قالت له. نصحته أن يأكل اللَّبن والعسل ويتَّكل على الله ويتوقَّف عن استشارة الأطبَّاء. وبقي جورج عشرين سنة يأكل طعام أهل الجنّة وينظر إلى فراغ حياته وفراغ بطن زوجته. إلى أن حبلت أمل. فجأة, ودون مقدّمات حبلت أمل, ولم تتوقَّف بعد ذلك عن الإنجاب. أنجبت ستَّة أولاد, أربع بنات وصبيّين. كان إسكندر الصغير يحمل الرقم خمسة بينهم.
عندما وُلِد إسكندر, كان إسكندر الأب قد مات. جاء جورج إليها. جاء راكضا من المستشفى وضمّها إلى صدره وبدأ يبكي.
لحظة رأته يدخل باب بيتها, وقبل أن يفتح فمه, سألته (كيف إسكندر?).
(مَنْ أخبركِ?), سأل.
(رأيته), قالت. (رأيته في منتصف اللَّيل, كنت نائمة, استيقظت على صوت بكائه, فتحت عيني فرأيته).
(وُلِد في منتصف الليل), قال.
ضمَّها جورج وصار يشهق بالبكاء.
قبل العمادة بيوم, جاءها وقال لها إنّه اختارها لتكون عرّابة الصبيّ. قبلت دون أن تناقش أو تفرح بشكلٍ خاصّ. كان جورج يعتقد أنّه يعطيها فرح حياتها. بقيت جامدة, وافقت بحياديّة كأنَّها تستمع إلى اسم امرأة أخرى اختيرت لتكون العرّابة.
وفي حفل العمادة الذي جرى في البيت, لأنّ أمل كانت مريضة, وتعاني من آلام الأسنان الرهيبة التي تصاحب كلّ مولود تضعه, حتَّى انتهى بها الأمر مع مولودها السادس إلى ضرورة قلع جميع أسنانها. في البيت, أمام جرن المعموديّة, وقفت وداد بثوبها الأزرق وطرحتها البيضاء, وأخذت الطفل عاريا من يد الكاهن, ضمّته إلى صدرها حيث كانت تربط منشفة كبيرة بيضاء, لفّته بالمنشفة, وبدأت ترتِّل بصوت منخفض. لم تكن الترتيلة جزءا من طقوس العمادة. رتَّلت بصوتٍ منخفضٍ يكاد لا يسمعه أحد. توقّف الكاهن عن تلاوة صلاته, والتفت إليها بتأفّف واضح, وأراد أن يطلب منها أن تسكت, ولكنّه لم يفعل, تركها تنهي ترتيلتها, وعاد إلى صلاته التي اختصرها كي يذهب إلى الكنيسة حيث تنتظره عمادة أخرى.