أمل قالت إنّها كانت تشبه سيّدتنا مريم العذراء.
قالت لزوجها في المساء, بعد أن ذهب المدعوون لن يستطيعوا البقاء لحظة واحدة بعد انسحاب قوَّات الانتداب البريطاني?
هل قُتِل من أجل هذه الجملة المكتوبة على صليبه? ومن يكون القاتل? لا أحد يدري. هل هم الصهاينة, أم هم جماعة الحاج أمين, أم هي (أخويّة القبر المقدَّس) التي أصبحت سمعتها مهدّدة بسبب أفعال الرَّاهب الجنونيّة?
لا أدري, قلت لمريم.
ووداد البيضاء, لم تكن تدري لماذا كلّ هذا.
الشَّركسيّة البيضاء لم تنجب أولادا. عاشت وحيدة وماتت. وحكاية موتها هي الحكاية.
ولكن لماذا?
لماذا نضع الموت في المرتبة الأولى, ونجعله هو الحكاية?
هل لأنّ النهاية تفسّر البداية?
ومن قال إنّ الموت هو النهاية? هل موت الرَّاهب اللبنانيّ يفسّر بدايته, أم أنّ موته كان البداية التي تحتاج إلى تفسير?
أسئلة وأسئلة, والجواب بقي معلّقا. كتبت رسائل إلى (دير مار سابا) في القدس أطلب فيها معلومات عن الرَّاهب, ولكنّي لم أتلقَّ جوابا. فقرّرت زيارة قرية (دوما) علّني أعثر على الحقيقة, وهناك وجدت حكايات أخرى.
ذهبت إلى (دوما). لم أكن قد زرت هذه القرية من قبل. ذهبت إليها في أعالي (البترون), لأجدها وكأنّها تنزلق إلى الوادي. من الأعلى, من طرف قرية (بشعلة) الموصولة ببلاد تنورين, تبدو (دوما) وكأنّها تسقط في الوادي. بيوت قرميديّة تتدرَّج نزولاً, ووادٍ سحيق يبدو وكأنَّه جزء من منخفض لا نهاية له. مشيت في الطريق الرئيسيّ الذي يشقّ القرية ولم أعرف كيف أبدأ أو ماذا أسأل ومن? لم أكن أملك معطيات محدّدة تسمح لي بأن أبدأ. كلّ ما كنت أعرفه هو الأسماء. اسم الرَّاهب واسم عمّه (الأكسرخوس). حتَّى الأسماء لست متأكّداً منها. ففي الكنيسة يغيّرون الأسماء, كما كنَّا نفعل نحن في غور الأردن. قلت إنّ أفضل بداية هي الذهاب إلى الكنيسة, هناك أستطيع أن أجد الأجوبة الأولى عن أسئلتي.
في الكنيسة, أصرّ القندلفت أنّها بُنيت في القرن التاسع عشر, وأنّ القنصل الروسيّ جاء بنفسه ليحضر حفل تكريس الكنيسة, وتبرَّع من ماله الخاص بثمن الجرس الذي كان واحدا من أوّل الأجراس التي علّقت في لبنان. وروى لي عن الأيقونات وأنّها تعود إلى القرن الثالث عشر, وأنّها تنتمي إلى المدرسة الحمصيّة في رسم الأيقونات, وأشياء لا أتذكَّرها لأنّها لم تكن تعني لي شيئا في ذلك الوقت.
كنت أبحث عن الرَّاهب وعن حكايته. هل صحيح أنّه خرج من (دوما) وقاد عصابة في (الجليل), أم أنّ الحكاية ليست سوى حكاية روتها لي امرأة في مخيَّم (الميّة وميّة) قرب صيدا? هل أبحث فعلاً عن جذور الحكاية الشعبيّة, أم أنّني أريد إقناع صديقي إميل آزاييف أنّ الرَّاهب لم يكن لا ساميا, لأنّنا في بلادنا لا نعرف معنى اللاَّساميّة? وما الفرق? إميل لن يعرف نتائج أبحاثي هذه, والرَّاهب لم يعد موضوعا بعد أن احتُلَّت القدس بأسرها وجرى تسويرها بالمستوطنات الإسرائيليّة, وحكاية الصَّليب الذي كُتِب عليه ما كتب لم تعد تعني شيئا كثيرا بعد أن تجاوز عذابنا نصف المدّة التي تنبّأ بها الرَّاهب. صبرنا خمسين سنة, فلماذا لا نصبر خمسين سنة أخرى ونرى?! لكنّنا لن نرى. بعد خمسين سنة تكون مريم قد ماتت, وأنا أيضا, والذين سيقرأون الحكاية, هذا إذا وجد من يريد قراءتها, سيضحكون من سذاجتي, وسذاجة الرَّاهب, لأنّ نهاية العذاب سوف تأتي عبر المرور بعذابٍ كبير أين منه هذا العذاب, وبعد ذلك لن يكون أحفادنا قادرين على التمتّع بنهاية العذاب.
أعود إلى الحكاية.
ذهبت إلى الكنيسة في (دوما), وهناك استمعت من (القندلفت) إلى حكاية (الأكسرخوس). لم يكن يعلم شيئا عن جرجي الرَّاهب, قال إنّه يذكر وجود (أكسرخوس) من عائلة خيري, وكان اسمه أبانا (جراسيموس). وروى عن الكاهن العائد من إقامته الطَّويلة في دمشق حيث كان مرافقا للبطريرك. قال إنّ الأب (جراسيموس) مات بعد عودته من دمشق بخمس سنوات, وأنّه قضى السنة الأخيرة من حياته وحيدا بعد أن قرّرت زوجته النزول إلى بيروت والإقامة مع ولديها الشَّابّيْن اللّذيْن كانا يدرسان في جامعة القدِّيس يوسف التابعة للآباء اليسوعيّين. بقي الكاهن وحيدا في البيت, ولم يكن يخرج منه إلاَّ للذهاب إلى الكنيسة. فجأة تقوّس ظهره وابيضّت لحيته وصار يمشي مثل سيّدنا البطريرك. (يا ربّ تسامحني, بسّ لو شفته يا أستاذ, صار متل كيف بدّي قلّك, متل ما عم بقول, صار كأنّه هو, كأنّه البطرك بسّ ما كان يحمل عصا. يا ربّ تسامحني, وبعدين الله يرحمه وقع وبرك, وما عاد فيه يمشي, والخورية أجت وزارته يومين, ونزلت على بيروت وتركته, قالت إنّه هو كان بدُّو هيك. ولولا رحمة الله كان تبهدل. تركته وبعد ثلاثة أيَّام مات. مسكين قضى كلّ عمره يخدم البطرك, وبسّ إجا وقته تركوه, بسّ الله كبير. أنا زرته وكان عم بموت. عرفت إنّو عم بموت لأنّو هو قال لي. وبعدين مات وخلصت القصّة).
لم أكن أريد حكاية (الأكسرخوس) أو (جراسيموس) أو لا أدري... كنت أبحث عن الرَّاهب. (القندلفت) أصرّ على أنّه لا وجود لراهب من القرية باسم جرجي.
(أنت بتعرف يا أستاذ, يمكن غيّر اسمه, هنِّي بالسلك بغيِّروا أساميهم, أنا ما بعرف راهب بهالاسم, يمكن لازم تسأل عن اسم تاني).
(شو منعمل?), سألته.
(ما بعرف), قال, (يمكن أحسن حدا بيقدر يفيدك هي زوجة ابن عمّ المحترم).
قلت إنَّني أريد زيارتها.
قادني وسط زقاقٍ شبيهَ بأزقّة المدن, وعلى جانبيه دكاكين مغلقة أو شبه مغلقة, من الواضح أنَّ القرية كانت مدينة أو حاضرة للقرى المحيطة, غير أنّ طابعها المديني بدأ يزول, ولم يبقَ منه شيء يذكّر بذلك الطَّابع سوى الدكاكين ذات الأقواس, والمقهى المكتظّ بالرجال والنراجيل وصوت طاولات الزَّهر.
ذهبنا إلى زوجة ابن عمّ المحترم, لنجد أمامنا امرأة في الثمانين من العمر تبلع ريقها بشكل دائم كأنّها تبتلع زلعومها. قال لي القندلفت إنّها مصابة بنشافٍ في الحنجرة والفم, جاء نتيجة التهاب في فكّيها وأسنانها كاد يودي بها.
كانت أمّ حليم, وهذا اسمها, تعيش وحيدةً في بيتٍ معتمٍ تفوح منه رائحة زيتون متعفِّن. روت عن الكاهن وأجهشت في البكاء.
قالت إنّها تخاف. قالت إنّ الليل يخيفها لأنّه يشبه عباءة سوداء تلفّها, وأنّها أصيبت بشحٍّ في البصر, وصارت ترى كما يرون هناك. وأشارت إلى فوق. فهمت أنّها تقصد الآخرة. لم أسألها كيف عرفت أنّهم يرون كما ترى, فأنا كنت مستعجلاً للوصول إلى حكاية الرَّاهب, ومعرفة الصدى الذي تركه في قريته, وهل تحوّل إلى حكاية هنا, أم أنّ حكايته هاجرت معه إلى فلسطين ولم تبق حيّة إلاَّ في ذاكرة امرأة كهلة تعيش في مخيَّم فلسطينيّ قرب صيدا.
أمّ حليم لم تكن مستعجلة للوصول إلى حكاية الرَّاهب. كان يهمّها أن تخبرني كيف يرى الناس فوق, وأنّها عندما أصيبت بالماء (الزرقاء) في عينيْها قرّرت أن لا تجري عمليّة جراحيّة.
قالت إنّها تعرف بأنَّ العمليّة ليست خطرة ولكنَّها تفضِّل هكذا, ترى كما سترى, (لماذا أعود إلى الوراء), قالت. (الموت قدَّام, وأنا بشوف لقدَّام, بشوف الأبونا سليم, قلت له ما بغيّر اسمه, شو هالاسم (جراسيموس), بكرا إنشالله فكره إنّو هونيك رح سمِّيه (جراسيموس), هونيك رح سمِّيه متل ما بعرفه, سليم. الله يرحمه شو كان آدمي, مات لوحده وما زعج حدا. إيه يا ابني.. هيدي حكايتي حكيتها. حضرتك باعتك سيدنا البطرك, دخلك ليش هيك بيموتوا البطاركة, لَمَّنْ مات أبيفانيوس بعث لي الأبونا سليم ورحت, كان البطرك ميّت وكانوا مقعّدينو على كرسي العرش ومحنّط. وبعدين نزّلوه على الأوضة لتحت. ما حطّوه بقبر, حطّوه بغرفة كبيرة حدّ البطاركة التانيين. أنا فتت لجوّه, يا لطيف, كلّهم محنّطين وقاعدين مع بعضهم على كراسي العرش كأنّهم باجتماع. يا لطيف. كلّهم محنّطين, واحد هرّت نُصّ لحيته, وواحد فاتح تمّه, وواحد أسود متل الفحمة. صلّبت إيدي على وجهي وصرت أبكي. يا دلّي شو بكيت. فكَّروني متأثّرة على البطرك, وأنا كنت عم ببكي من الخوف. متّ من الخوف وصرت أرجف كلّني سوا. أرجف وأبكي, ومن وقتها بلّشِتْ قصّة عيوني).
قلت لها إنّني لم أذهب للتفرُّج على قبر بطاركة إنطاكية وسائر المشرق, فأنا لا يهمّني هذا الموضوع, وشرحت لها أنّني أعدّ أطروحة دكتوراه عن الحكايات الشعبيّة, ورويت ما أعرفه عن الرَّاهب الدوماني. أبدت المرأة استغرابا. ثم أصرّت على القول بأنّ القصة مستحيلة, لأنّه من غير الممكن أن يقوم راهب بنشاطات عسكريّة وسياسيّة أو أن يسرق, وظيفة الرَّاهب أن يصلِّي ويبكي.
(كلّ الرهبان نُصّ عميان), قالت. (الرَّاهب يلِّلي ما بيعمى ما بصير قدِّيس. الرَّاهب لازم يبكي وتعمى عيونه حتَّى يكفّر عن ذنوب الكون كلّه, كيف هيدا راهب, لا ما بعرفه).
كنت أهمّ بالانصراف, والقندلفت ينظر إلى ساعته كأنّني أخّرته عن موعدٍ هامّ, عندما قالت المرأة إنّها تذكّرت. قالت إنّ الأبونا حدّثها عن قريب له لبس الأسكيم الرهباني, لكنّها لا تذكر أنّه حدّثها عن القدس, وأنّها لم ترَ هذا القريب إلا مرّة واحدة, عندما جاء لزيارة عمِّه في (دوما). قالت إنّه كان قصيرا وسمينا وشعر لحيته مبقّع بما يشبه الزيت ورائحته. كانت رائحته مثل رائحة الخنزير, وأنها اعتقدت أنّه من جماعة الرهبان الذين ينذرون عدم الاستحمام طوال حياتهم, وأنّها لم تستطع أن تبقى حيث كان أكثر من خمس دقائق. وأنَّه لم يكن يحكي, بل كان يهمهم. وأنَّه عاش في دير في منطقة الكورة, يدعي (دير مار يوحنا كفتين), وأنّه كان يعيش قرب بئر الدَّير, وكان راعيا للمواشي التي يملكها الدَّير, وأنّه لم يعد إلى زيارة (دوما) مرّة أخرى.
(والقدس?), سألتها.
(والله ما بعرف يا ابني, يمكن من دير مار يوحنا كفتين راح على القدس, أنا ما بعرف).
هذا كان حصاد زيارتي (لدوما).
بدل أن أجمع معلومات عن جرجي الرَّاهب عرفت أنّهم في الآخرة يرون ظلالاً زرقاء كما ترى السيِّدة أمّ حليم, وأنّ مشهد البطاركة المحنّطين في قبرهم أثار فيها الخوف, وأنَّ الخوري سليم أو (جراسيموس) صار في آخر أيَّامه يمشي كما كان يمشي سيِّده, وصار مقعدا مثله, وأنَّ جرجي الرَّاهب الذي أبحث عنه لم يذهب إلى (دير مار سابا) في القدس, بل ذهب إلى (دير مار يوحنَّا) في الكورة. ربَّما من (الكورة) عاد وذهب إلى القدس, لكن لا أحد يعرف.
من أين جاء الخبر في الجريدة? وكيف تحوّل الرَّاهب إلى حكاية? ومن أخبرني الجزء الآخر من الحكاية الذي لم تروِه المرأة الفلسطينيّة?
أسئلة لا أملك جوابا عنها, كلّ ما أعرفه أنّني شممت في قرية (دوما) رائحة تشبه رائحة الحرائق, وأنّ الرَّاهب الذي أبحث عنه لم يكتفِ بحمل صليبه, بل قرّر أن يموت عليه كما فعل سيِّده منذ ألفي سنة, وأنَّ الحكاية التي رويتها لصديقي إميل آزاييف صحيحة, لأنّني مقتنع بها.
لماذا أسمّي إميل صديقي?
لا أدري. هل لأنَّه روى لي حكايته? أَوَكلَّما استمعنا إلى حكاية إنسان نصبح أصدقاءه? هل أنا الآن صديق الجميع وصديق وداد?





رد مع اقتباس