شاكرة كل من مـــر من هنــا،،
وداد إلى جانبه، وهو مستلق على السرير ويشعر بالاختناق ، أمسك بها من يدها وقال لها إنه كاد يبكي في المطبخ، من أجل ذلك تزوجها.
وضعت يدها على رأسه وطلبت منه أن ينام . فأغفى.
كان ، عندما تضع يدها على رأسه وتطلب منه أن ينام، يدخله النعاس ويطفو فوق النوم، بقي هكذا ثلاثين سنة، ينتظر النوم يأتيه عبر يدها الصغيرة الموضوعة على رأسه.
كبرت وداد.
كلها كبرت. رآها إسكندر تكبر تحت لمساته، صدرها استدار ، صارت أطول وأجمل ، الوركان اكتملا، وشعرها طال وطال ، وهو لا يسمح لها بأن تقصه، كل شيء كبر وتغير ما عدا اليد. الديان بقيتا صغيرتين وطريتين وتقودانه إلى النوم.
عندما دخلت لودي إلى المطبخ لم يكن إسكندر يعرف إلى أين سيقوده عمله الطائش هذا. ذهب إلى الفتاة هكذا، كما كان يفعل مع جميع الخادمات. لم يكن يمارس الجنس معهن ، كان يطوش ، كما يروي لأصدقائه على كأس العرق، يقتنص منهن قبلات ولمسات وأشياء صغيرة، من أجل تنشيط الدورة الدموية. ذهب إلى هذه الفتاة كما ذهب إلى سواها ، ولم يكن يخطر بباله أنه سيجاوب زوجته كما أجابها. فهذه لم تكن المرة الأولى التي تكمشه فيها لودي وهو في وضع ملتبس مع إحدى خادماتها. في العادة ، كان يدعي أنه يضرب الفتاة أو يؤنبها، وكانت لودي تفهم وتغض النظر، ويزداد اقتناعها بحقارة الجنس ووساخة الرجال ، وتتحول إلى لوح جامد في السرير.
هذه المرة لم يدّعِ إسكندر أنه يؤنب الشركسية . كان مؤخذا بذلك الماء في عينيها ، وتلك الآهة التي خرجت من أعماقها . احتضنها وشعر بدعسات زوجته، لم يتراجع.
أحكم قبضته على الفتاة وضمها إليه ، وبدأ يشمها. رأته لودي يشمشمها كما يشم الحيوان أنثاه قبل أن يضاجعها، والفتاة تتأوه وكأنها تستسلم . وإسكندر يذوب ويفقد قدرته على السيطرة.
وحين صرخت زوجته جاء صوتها وكأنه خارج من بئر عميقة . لم يحرك فيه صوت زوجته شيئاً، أمسك بيد الفتاة ومضى بها وتزوجها.
أما هي ، فهنا السؤال.
لا أحد يعرف بما شعرت، أو فيم فكرت، أو ماذا تريد،؟ مشت وراءه وذهبت إلى حيث أخذها.
هل كانت ترى الأشياء كما رأتها في النهاية؟ هل كانت تعرف؟ هل كانت الطرق التي قطعتها بين بيروت وصوفر تعني لها شيئا؟
لا أحد يعرف .
إسكندر لم يرو لأحد. أخذها ومضى بها إلى صوفر ، نزلا في فندق " صوفر الكبير" في الجبل، حيث حولها إلى سيدة، وعاد بها ليسكنا في بيتهما الجديد المحاط برائحة أشجار الفتنة والياسمين.
طوال حياته معها لم يسأل سؤالا واحدا عن بلادها أو أهلها ، كان حين يراها تبكي ، وكانت تبكي دائما، يتركها تغتسل بدموعها ولا يسأل. وهي لم تكن تحكي.
صارت تتكلم العربية بطلاقة، تعلمت القراءة والكتابة وحدها، كانت تسرق الحروف من المجلات والصحف، وتسأل إسكندر والرجل يبتسم ويعلمها. صارت كجميع الناس وعاشت. كانت نصف ممرضة ونصف راهبة ، وأقامت مع الرجل تعتني به وتمرضه وتخدمه ، وتضع يدها الصغيرة على رأسه، ولم تتركه.
عاش إسكندر عاشقا، وككل العاشقين كان يخاف من الفتاة البيضاء . يراها تتركه فيخاف. هكذا كان يراها في لحظات مرضه، تختفي من حياته كما دخلتها. تدخل الحائط الأبيض الذي جاءت منه وتمضي ، لكنه كان يعرف أنه لا مكان لها تذهب إليه، ومع ذلك لم يخصها بشيء في وصيته، كان يعرف أنه عندما سيموت، فإن وداد ستعود إلى بلادها. مات إسكندر ووداد لم تعد، بقيت في البيت نفسه، عاشت نمط الحياة الذي تعودت عليه أيام زوجها، كأنه لم يمت . إحدى جاراتها وكانت خياطتها وصديقتها الوحيدة قالت إنها رأتها مرة وهي تفتح الخزانة وتكلم ثياب زوجها التي بقيت معلقة في الخزانة، وكانت وداد تغسلها وتكويها وتعيدها إلى مكانها.
تعلمت وداد القراءة والكتابة، وصارت تذهب كل يوم إلى ميتم، زهرة الإحسان، حيث عملت كمتطوعة . إسكندر لم يعترض. فكر أن هذا يساعدها على التأقلم مع حياتها الجديدة. كانت تريد أن تخدم الفتيات اليتيمات، ولكنها وجدتهن وقد تحولن إلى ما يشبه الخادمات ، فصارت تخدم معهن. تأتي كل يوم في العاشرة صباحا بعد أن تنهي عملها المنزلي، وتغرق في شغلها داخل الميتم حتى الثانية بعد الظهر. وحتى عندما كان المرض يشتد على زوجها، ويجبرها على البقاء في المنزل، فإنها لم تنقطع عن عملها في الميتم.
مرة واحدة وافقت على أن تطلب من إسكندر شيئاً
كان إسكندر عندما ينتهي من شرب ثلاث كؤوس من العرق. هي حصته كل مساء، يبدأ بتقبيلها وهو يصرخ، اطلبي يلي بدك، بس قولي، لم تطلب شيئا ، رفضت أن تجلب خادمة إلى البيت، رفضت الذهب والماس وقطعة الأرض التي أراد أن يطويها لها. رفضت كل شيء وعندما طلبت منه ميرنا رفض.
مرة طلبت من زوجها أن يسمح لها بتبني إحدى الفتيات . رفض. قال إن عنده أربع بنات، ولا يجوز أن يتبنى فتاة جديدة.
يومها بكت وداد. ركعت على الأرض ، قبلت قدميه. كان مريضا ويعاني من احتقان في الرئتين، ركعت وصرخت " الله يخلّيلي ياك يا سيدي ، أنت على راسي ، أجرك على راسي ، بس ميرنا". قال لا .
بكت وداد . من يومها صارت الشركسية البيضاء تغرق في البكاء وتعود إسكندر على بكائها.
سأل الطبيب الابن عن أصدقاء المرأة.
جورج نفاع بدأ يشعر بأن ذاكرته تخونه، فهو يصغر وداد بسنة واحدة، الحرب والكهولة والابن المريض، والهموم، جعلت ذاكرته تتقطع ، فصار يجد صعوبة في تذكر أسماء الناس والأماكن، ولكن هذا لم يؤثر على سلامة عقله، وعلى قدرته على إدارة أعماله التجارية، رغم ظروف الحرب الصعبة.
قال جورج للطبيب إنه لا يعرف شيئا عن أصدقاء المرأة. صحيح أنه واظب على زيارة الشركسية بعد وفاة والده، ولكنه لا يعرف عنها شيئا. قال لزوجته إنها امرأة نبيلة ، جاءها بعد ثلاثة أيام على دفن والده ليحدثها عن الميراث، فقالت لا . كله لكم يا ابني ، أنا ما بدي شيء غير السترة، وقعت التنازل عن كل شيء، وأصرت على التنازل عن حصتها في ملكية البيت الذي تسكن فيه ، وقالت إنها ستلحق بزوجها بسرعة، ولا لزوم لإجراءات نقل الميراث المعقدة . لكنها عاشت ثلاثين سنة أخرى.
قالت لجورج إنها ستعود بسرعة، ففهم أنها تتكلم عن اللحاق بزوجها، ولكنها لم تعد . بقيت في البيت، وحافظت على نمط حياتها كما كان . شيء واحد تغير، وهذا لا علاقة له بموت الزوج، لأنه حصل قبل الوفاة، فلقد توقفت وداد عن الذهاب للعمل في الميتم بعد أن تزوجت ميرنا، الفتاة التي كانت طلبها الوحيد من زوجها، عندما لم تجد وداد ميرنا مع الفتيات، تركت كل شيء وركضت إلى مكتب الرئيسة "بربارة" وسألتها عن ميرنا. جاوبتها الراهبة بأنهم زوجوها وسافرت. قالت الراهبة إن هذا أفضل ، ولم تخبر وداد باسم للزوج ولا بالمكان الذي ذهبت إليه الفتاة.
انقطعت وداد عن الذهاب إلى الميتم، وصارت تقضي وقتها كله في البيت لا تخرج منه. بقيت هكذا ثلاث سنوات، سنة قبل وفاة الزوج، وسنتين بعد وفاته، ثم صارت تتردد على مأوى العجزة وتعمل هناك.
جورج نفاع يعتقد أنها أقامت علاقة مع الخواجة سيرافيم ، وهو صيدلاني عجوز كان يعيش وحيدا مع زوجته ولا أولاد لهما. بعد وفاة الزوجة أغلق صيدليته ، وقرر أن يسكن في غرفة مستقلة داخل المأوى. وداد كانت تزوره في صومعته (هكذا كان يسمي غرفته التي علق على حيطانها الأربعة عشرين أيقونة بيزنطية) وتخدمه مجانا، من ضمن عملها في المأوى. وسرت شائعة أنها صاحبته، جورج لا ينفي هذا الاحتمال ولكنه لم يجرؤ أن يسألها عن الموضوع. وحين مات الخواجة سيرافيم مشت وداد كالرجال خلف النعش، سهرت معه طوال الليل في الكنيسة قبل دفنه، ولكهنا لم تبك.
"من هذه المرأة ؟ " سألتني مريم.
كنا نمشي وسط ذلك الدمار وكأننا نمشي في الفضاء . فضاء الدمار يجعلك تشعر أنك معلق في شرفة مفصولة عن كل شيء.
قالت مريم إن المرأة هي المرأة، وإن وداد كانت تبحث عن اسمها، فلم تجده، ولذلك عادت إلى حيث يجب أن تعود.
سامية لم تعد.
سامية تمضي إلى حيث تمضي، قلت لمريم. قلت لها إن سامية حين أمسكتني من يدي أمام القبر، وصعد إلى عيني ذلك الحب الذي لم يجرؤ أن يتحول إلى كلمات ، كانت تبحث عن فيصل، وهي تشير إلى قبر علي أبو طوق، فعلي قد يكون فيصل، وأما أنا فلا . ولكن لماذا نادتني فيصل، ولماذا جاوبتها حين سمتني باسم آخر؟ هل لأنني مجرد عاشق عابر أم أن العابرين لا يسكنون.
"الحياة زيارة عابرة" قالت وداد لابن زوجها إن المسألة لا تحرز، خود كل شيء يا ابني أنا ما بدي شيء.
يومها قبلها جورج ودمعت عيناه، وصار يزورها مرة في الأسبوع يقضي معها بضع دقائق ويذهب يسألها إذا كانت بحاجة إلى شيء، ودائما لم تكن بحاجة إلى شيء ، في التاسعة من صباح كل سبت كان يأتي ، فتكون ركوة القهوة جاهزة يشرب قهوته ويذهب، وهي تبقى كالظل في مكانها تجلس على طرف الكرسي بشالها الأزرق الذي يغطي شعرها الطويل، ورأسها شبه منحن.
لا شيء تغير .
الحرب بتوحشها وغرابتها لم تغير شيئا في حياة المرأة. مرة واحدة تغير كل شيء . أصيب منزل جورج بقذيفة من عيار 155 ميليمترا، انهدم البيت تقريبا، ولم يصب أحد بأذى ما عدا إسكندر الصغير. عندما أصيب إسكندر كسرت وداد كل التقاليد وذهبت إليه في المستشفى، وبقيت إلى جانبه ستة أشهر لا تتركه ليلا ولا نهارا. تخدمه كأنها ممرضة، ولا تسأل شيئا ولا تتعب وبعد أن خرج من المستشفى مشلولا عادت وداد إلى منزلها، ولم تزره في البيت ولا مرة. كانت تسأل عنه جورج دون أن تسميه تسأل ولا تنتظر الجواب، وجورج لم يكن يجاوب، كان يهز رأسه بينما تسكب له فنجان القهوة، يشربها دون أن تشرب معه.
ثم جاءت النهاية.
مرضت وداد، بدأت تشعر بتثاقل في قدميها ، ثم صارت تفضل البقاء في سريرها. وذات صباح حدث ذلك الشيء الغريب . فجأة نسيت وداد اللغة. وداد الشركسية التي كانت تتكلم اللغة العربية ولا تعرف لغة أخرى، نسيت لغتها.
روى جورج نفاع أن المرأة عاشت في مرضها تجربتين مرعبتين : تجربة الشعر وتجربة اللغة.
شعرها الأبيض المتماوج الذي كان ينحدر على كتفيها بدأ يتناثر ويتساقط، مسالة تساقط الشعر حيرت الجميع. صار شعرها خصلا تتساقط على كتفيها، وكانت تمسح الخصل وترميها على الأرض دون أن يبدو عليها التأثر أو الخوف.