جورج نفاع الذي صار يزورها يومياً في فترة مرضها، كان يتوقع كل صباح أن يجدها صلعاء ولكنه كان يكتشف أن شعرها ما يزال فوق رأسها، وأنها حين كانت ترفع رأسها لترد تحيته يتساقط الشعر الأبيض على كتفيها، فتنفضه وتتابع كلامها، كأن لا شيء .
وماتت اللغة.
رفضت أن تذهب لتعيش في منزل ابن زوجها ، ورفضت الذهاب إلى المستشفى ، ونظرت إلى جورج باحتقار حين اقترح عليها مأوى العجزة، حتى الطبيب نجيب كنعان الذي كان صديقاً حميماً لزوجته ، طردته وقالت إنها لا تريد أحدا.
ثم ماتت.
لا لم تمت.
قبل أن تموت ماتت اللغة ونسيت كل شيء.
جاءها جورج في الصباح كعادته يحمل لها الطعام والثياب النظيفة، فنظرت إليه كالمعتوهة وكأنها لا تعرفه. سألها مرة ثانية ومرة ثانية تكلمت وكانت الكلمات غير الكلمات. لم يفهم جورج وشعر بخوف شديد، واحتار ماذا يفعل.
" شو بك يا أمي".
كانت هذه المرة الأولى التي يسميها فيها أمّه.
الأم كانت تحكي وتحكي، بلغة أخرى، لم يفهم منها جورج كلمة واحدة.
استدعى جورج الدكتور نجيب الذي تلفن إلى المستشفى وجلب سيارة إسعاف، وتم نقل المرأة بالقوة إلى مستشفى " الجعيتاوي". وهناك اكتشفت إحدى الممرضات، وهي تحاول منعها من مغادرة سريرها، أن المرأة قوية كثور، وتتكلم لغة قريبة من التركية.
الممرضة الأرمنية "تالين" تعرف بعض الكلمات التركية من جدتها التي هربت من تركيا في المذبحة الكبرى التي جرت خلال الحرب العالمية الأولى. قالت " تالين" لجورج إن المرأة كانت تتكلم لغة قريبة من التركية. ولا تحكي سوى في موضوع واحد، الطفولة، حكت عن طفولتها في تلك البلاد البعيدة، قبل أن تخطف وتباع في بيروت، وتتزوج الخواجة إسكندر نفاع.
قبل أن تهرب من المستشفى زارها الدكتور نجيب، وحاول أن يعيد لها لغتها أو أن يجعلها تتذكر حياتها في بيروت، ولكن دون جدوى، قال الدكتور إنها حالة معروفة في طب الكهول، إذ يقوم الدماغ بحجب الحاضر وإلغائه ، واستعادة الماضي، حتى اللغة المكتسبة تذهب، ولا تعود على شاشة الدماغ سوى ذاكرة الطفولة ولغتها.
" نسيت كل شيء، كأنها لم تكن"، قال جورج لزوجته وهو يبكي.
وداد كانت .
في الخامسة من صباح 9 أيار 1976 هربت من المستشفى، في الصباح الباكر ، حين يكون النعاس قد شل قدرة الممرضات على المراقبة، لبست وداد ثيابها وغادرت المستشفى ولم تعد، ووجدت بعد ثلاثة أيام جثة على طريق الشام قرب مدخل حي البرجاوي . مشت وحيدة ثم ماتت. ربما كانت تبحث عن بلادها التي استفاقت من حفرة الذاكرة، فجأة قامت الذاكرة وكأنها انفتحت على قاع بئر وجرفها القبر إلى حيث لا عودة.
إسكندر نفاع، زوجها، لم يكن يعلم أن هذه الشركسية لم تكن شركسية، وأنها خلال حياتها الطويلة في هذه المدينة كانت غريبة وبلا ذاكرة. كان يشعر أنها خلقت من ضلعه وأنها خلال حياتها الطويلة في هذه المدينة كانت غريبة وبلا ذاكرة. كان يشعر أنها خلقت من ضلعه وأنها له وحده. وخلال مرضه الطويل كان يشعر أنه والدها وزوجها. يشعر أنه خلقها من عدم، وحولها إلى سيدة.
وحين نسيت كل شيء، تذكرت كل شيء .
" أين الحقيقة؟" ، سألني إميل.
هل حقيقة وداد البيضاء هي حياتها كما نرويها اليوم، أم هي حياتها التي لم تعشها، أم لا هذه ولا تلك؟
وسقطت المرأة البيضاء وسط أزير الرصاص في بيروت التي كانت تتمزق ذاكرتها وتنثر فوق آلاف البنادق المتواجهة.
والإنسان ينسى كما قالت العرب . لكن لا ، حين ينسى يتذكر. هكذا نحن نتذكر ولا ننسى، ألم تكن هذه الحروب تمارين الذاكرة ؟ يقولون إن الحرب تمرين على النسيان، إذ لولا أننا نسينا هذه المجازر التي خضناها لقتلنا تأنيب الضمير. الضمير أيها السادة مسالة أخرى. وتحتاج إلى تفكير جديد.
وداد التي استفاقت من غفوتها البيروتية الطويلة، ذهبت إلى المكان الوحيد حيث الذاكرة، ذهبت إلى الحرب . وهناك لم تجد قريتها التي لا تعرف اسمها، ولا يعرف أحد اسمها ولم تجد أمها وإخوتها، هناك وجدتنا ونحن نحمل بنادقنا ودمنا. هناك غرقت الشركسية البيضاء في دمها، وانطوت حكايتها كما تطوى حكاية في كتاب.
انطوت وداد كما تنطوي الحكايات، ومعها انطوت ذاكرتها المشوشة بلغات اختلط بعضها ببعض، وتحولت في النهاية إلى حكاية من السكوت كانت وداد تسكت دائماً امرأة يلفها السكوت وتلبسها ، غمامة بيضاء مرسومة فوق عينيها.
أخبرت هذه القصة لسلمان رشدي.
" تصلح مادة لرواية"، قال.
" أعرف "، قلت، لكنني أخاف من كتابتها .
لم يسألني لماذا أخاف. فالكاتب يعرف أن الكتابة هي العلاقة المطلقة بالخوف. صفحة الكتابة هي صفحة الخوف. والخوف ليس على الحكاية بل منها، نخاف أن تبتلعنا الحكاية وتحيلنا إلى هامش فيها، فنمّحي بدل أن نسطع، ونختفي بدل أن نظهر ونتحول إلى جزء من حكاية لا نعلم كيف ستنتهي بنا ولا إلى أين ستقودنا.
أخبرت رشدي هذه الحكاية عندما التقيت به في لندن عام 1988 ، قبل أن يصدر كتابه " آيات شيطانية"، وتتحول الكتابة إلى مسار يجعل من الكلمات أشبه بحبل يتدلى نحو بئر الموت. كنت أريد أن أروي له حكاية طبيب القرية، ولكنني بدلاً من ذلك أخبرته قصة الشركسية البيضاء.
" وأنت ؟ " ، سألته .
" أنا ماذا ؟ " ، قال .
" أنت، ما علاقتك باللغة؟".
ابتسم بدهاء وكأنه، يعرف إلى أي منفى ستقوده كلماته.
سألته عن علاقته بلغته الأصلية " الأوردو"، فروى لي أنه أتى إلى بريطانيا وكان في السادسة عشرة، وأنه يتكلم في مناماته باللغتين الإنكليزية والأوردو، ولكن الإنكليزية طغت على اللغة الأخرى، "
ليس الآن"، قلت.
" متى ؟" سألني".
أخبرته أننا نستطيع أن نكتب رواية عن كاتب هندي جاء إلى لندن عندما كان في السادسة عشرة ، وكتب رواياته بالإنكليزية . وفي عمر معين يصاب بذلك المرض، فينسى الإنكليزية ويعود إلى التكلم بلغته الأصلية، ويصبح عاجزاً عن قراءة كتبه.
" لكنني لم أنس الأوردو كي أتذكرها، كما فعلت بطلتك الشركسية، اخترت الإنكليزية بشكل واع. وحدثني عن علاقته باللغة الإنكليزية وكيف يشعر بالسيطرة عليها.
" اللغة كالأرض " ، قلت له . نستطيع احتلال لغة الآخرين كما نستطيع احتلال أرضهم . لكن المسألة هي من نحن. هل نهرب من أعدائنا إلى أعدائنا؟ هل نقبل أن نروي ، وبدل أن تقرأ حكاياتنا التي نكتبها نتحول نحن إلى حكاية؟
أذكر أن رشدي أهداني يومها مخطوطة كتابه " آيات شيطانية".
كنا نناقش رواية " العار " وكنت أقول له إن ما يخيفني في أدب العالم الثالث هو منحاه الغرائبي الذي يحوله، إلى صفحة من ماضي العالم، ويصنفه في الغرب في باب العجائب التي لا يمكن إيجاد حلول منطقية لمشكلاتها.
لست أذكر جيدا ماذا حكينا، ولكنني أذكر أننا شربنا قليلا من الخمر وتحدثنا في النهاية عن طبيب القرية، وتلك حكاية أخرى روتها لي مريم أو رويتها لها، لم أعد أذكر. كنت كغيري من القراء، مدهوشا بحكاية ثقوب الملاءة، التي كتبها سلمان رشدي في روايته ، أطفال منتصف الليل، في رواية رشدي يقع الطبيب آدم عزيز في غرام مريضته نسيم من خلال ثقب الملاءة. تقول الحكاية إن الفتاة كانت تطلب الطبيب كلما شعرت بألم في جسمها. ويأتي الطبيب لزيارتها تحت نظرات والدها القاسية، ويفحصها دون أن يفحصها، واكتشف الأب طريقة غريبة كي يعرض جسم ابنته على الطبيب. كانت الفتاة تقف خلف ملاءة مثقوبة ، وتعرض من خلال الثقب الجزء المريض من جسدها. تكررت الأمراض وتكررت الزيارات، وانتهى الأمر بالطبيب إلى أن يرى جميع أجزاء نسيم من خلال الثقب. وسط الدكتور آدم في عشق فتاة الثقب وتزوجها كي يضم الثقوب بعضها إلى بعض وتقوم عيناه بتجميع أجزاء الجسد المقطع.
عندما رويت هذه الحكاية لمريم أخبرتني حكاية طبيب القرية . كنت أعرف الحكاية لأنني سمعتها من قريب لنا ما يزال يسكن قرية " المنصف" في شمالي لبنان، نحن في الأصل من تلك القرية، هاجرنا منها منذ ثلاثمائة سنة لأسباب مجهولة ، هكذا أخبرني أبي ، وأنا صدقته لأنني بحاجة إلى أصل قروين فحين تعيش في بيروت تحتاج إلى إثبات فكرة أن بيروت هي خيار لا مدينة انتماء. تختار بيروت لا لأنك بيروتي ، بل لأنك تريد أن تكون بيروتياً. هذا هو سر بيروت الذي يعرفه جميع الذين عاشوا فيها.
في تلك القرية، منذ سنتين سنة أو أكثر ، عاش طبيب متجول كان واحدا من أوائل خريجي معهد الطب الفرنسي في بيروت، وكان يدعى الدكتور لطفي بركات ، أخبار الطبيب الشخصية ، وعلاقاته النسائية المتعددة، وادعاء ابنائه بأن لهم إخوة غير شرعيين في كثير من قرى جبل لبنان، لا تهمنا الآن. ما يهمنا هو كيف كان يفحص النساء ، في تلك الأيام ، نقول الحكاية، لم يكن يحق للطبيب أن يرى جسم المرأة حتى ولو كانت تحتضر، فهذا في عرف سكان جبل لبنان، من مختلف طوائفهم، كان يعتبر انتهاكا للشرف، وطبيبنا الذي كان يركب حماره ويدور بين القرى ، كان يحمل في حقيبته تمثالاً صغيراً لامرأة عارية . طلبت من أبي أن يأخذني إلى " المنصف" كي نبحث عن التمثال في بيوت أبناء الطبيب وأحفاده، ولكن أبي، رغم احترامه للأدب ، كان يعتقد أن على الأديب أن يكون مثل جبران خليل جبران، يؤلف الشعر والقصص من خياله الشخصين ولا يذهب من مكان إلى مكان بحثا عنها، كما أفعل أنا . " الأديب ليس بائعا متجولا"، قال أبي، هو الذي يؤلف ما يقوله الناس، ولا يسرق أفكار الناس، ويقول إنها الأدب". وقال إنه لا يعرف " المنصف" إلا من خلال زيارة قام بها منذ أربعين سنة ، وأن زيارتي إلى تلك القرية البعيدة لن تساعدني في العثور على التمثال أو على القصة.