كان الطبيب يحمل في حقيبته تمثالاً صغيراً لامرأة عارية، ومع التمثال قضيب نحيل قصير من الخيزران. يدخل إلى منزل المريضة، يضع التمثال الصغير على الطاولة تكون هي في السرير تتأوه، يطلب منها أن تهدأ قليلا وتحدد له مكان الوجع. والمريضة، مثل كل المرضى حين يداهمهم الألم، لا تكون قادرة على تحديد المكان الحقيقي لألمها. يطلب منها الطبيب أن تفتح عينيها جيدا، ويشرح لها أنه سيمرر القضيب على جسد التمثال، وأن عليها أن تخبره عندما يمس القضيب مكان الوجع في جسدها، وكان لهذه الطريقة فعل السحر في مريضات الدكتور لطفي بركات.ابتعدت عيناها في إغماضة خجولة، اقتربت من جسدها الأبيض، استرخت كأنها تنتظر أن أتوسدها. أخذتها بين يدي، ارتفع الوهج، واشتعلت حرارة جسدها وكأنها محمومة.
عندما ترى المريضة القضيب الصغير وهو يمر فوق التمثال العاري، كانت تبدأ في التأوه والصراخ، يسحب القضيب ويطلب من مريضته أن تهدأ قليلاً، لأن المريضة كانت ما إن يمس القضيب أي جزء من
جسد التمثال حتى نبدأ بالصراخ، وهو ما يعطل على الطبيب إمكانية تحديد مكان الوجع بشكل دقيق.
كان الطبيب بعد جولة التأوه والصراخ الأولى، يعطي مريضته كوب ماء، ويطلب منها أن تشربه بتمهل. ثم يجلس على كرسي ويدخن سيجارة كان يمضي وقتا في لفها وتدخينها ويترك مريضته تشعر بالأمان، ولا يطلب من أهلها مغادرة الغرفة، ولكنهم بنظرة منه تخترق بياض دخان لفافته، كانوا يخرجون ويتركونه وحيدا مع مريضته في غرفة مفتوحة الباب.
ومن جديد، يبدأ الطبيب بتمرير القضيب بهدوء فوق أجزاء الجسد العاري الموضوع أمامه على شكل تمثال، وتأخذ المريضة في التأوه بصوت منخفض والقضيب يمر، كان الطبيب في هذه المرحلة ، يمرر القضيب من الرأس حتى القدمين ببطء وهدوء، ويترك مريضته تتأوه ، ثم حين يصل إلى مكان الوجع يرتفع صراخ الالم. كانت المريضة تصرخ كحيوان جريح، والطبيب يشد على المكان بالقضيب الذي يهتز بين أصابعه والصراخ يرتفع . صراخ وأنين وأسنان تصطك ، وكأن المريضة تضع مولودا. ويرفع الطبيب القضيب عن جسد التمثال ، فتسكت المرأة ، ثم ترتجف بالحرارة والعرق، ويطلب من أهلها لفها بالأغطية السميكة، ويترك الغرفة هو والتمثال والقضيب والحقيبة ويصف الدواء. كان الطبيب يعلم أن مريضته شفيت عندما يرى الارتجافة والعرق يجتاحان جسدها. وكان يصف الدواء لأنه ضروري من أجل إيهامها بأن الدواء سيشفيها . ولكنه كان يعرف أن المريضة شفيت وأنه يستطيع أن ينصرف الآن بهدوء.
كنت أريد أن أقول لسلمان رشدي إن الفرق بين حكايته بين الدكتور آدم وحكاية مريم عن الدكتور لطفي بركات هو مجرد فرق لغوي. في روايته هناك امرأة شرقية تروي بلغتها ومن وجهة نظرها، ولذلك غطت نسفها بملاءة مثقوبة ، وتركت الطبيب يسقط في غرامها قطعة قطعة، وأما في حكاية مريم فإن من يروي هو رجل شرقي. قضيب الخيزران هو رمز شبيه برمز الثقب في الملاءة. ولكن ماذا لو التقى الرمزان؟ ماذا لو وضعنا قضيب الدكتور لطفي في يد الدكتور آدم؟ هل كانت القصة ممكنة؟ القصة ممكنة فقط حين يكون أحد الطرفين رمزاً، وإلا تحولت الحكاية إلى واقع مستحيل التصديق، أي إلى ما يشبه أدب العالم الثالث الشائع هذه الأيام.
لست أذكر ماذا كانت ردة فعل سلمان رشدي على حكاية طبيب القرى، كنت مشغولاً بأسئلتي عن اللغة والاحتلال والهجرة، وكنت أراه أمامي كبطل محتمل لحكايته. أراه كما رأيت وداد البيضاء ، ولكن هنا ، ومرة أخرى ، وداد لم تختر حياتها، بل اختارت موتها. وأما نحن الذين ندعي أننا اخترنا حياتنا فمن المؤكد أننا لن نستطيع اختيار موتنا، سوف يأتي الموت ويلفنا ونحن لا ندري، ما هو الخيار الأفضل : أن نختار كيف نعيش، أو أن نختار كيف نموت؟
لن أقول لست أدري ن فلقد قلتها عشرات المرات في هذه الرواية، ما أعرفه أنني قلت لرشدي إن خياره سوف ينتهي به بطلا محتملا في هذا الزمن ، هو الأسوأ بين مصائر كل الأبطال. كان ينتظره خطر الموت وخطر الكتابة وخطر الحرية،
نهض رشدي وأعطاني مخطوطة الآيات الشيطانية . ودعته ومشيت. وبعد ذلك بعام صدرت روايته، وتعرفون بقية الحكاية.
الحكاية إذن هي ماذا نروي.
نجد الحكايات مرمية في شوارع الذاكرة وأزقة المخيلة، كيف نجمعها لنقيم نسقا فوق أرض تتحطم فيها كل الأنساق؟
من نحكي كي نروي؟
ولماذا لم ترو هذه الحكايات أو ما يشبهها من قبل ؟ لماذا لا نجد في كل نصوص مارون عبود حكاية تشبه حكاية الدكتور لطفي بركات؟ والحكاية لم أؤلفها أنا ، مثل رشدي الذي لم يؤلف حكاية الملاءة، ومثل نجيب محفوظ الذي لم يؤلف حكاية السيد أحمد عبد الجواد. الحكاية موجودة ، روتها مريم أو رويتها أنا لا فرق.
لماذا لم نرو حكايتنا قبل هذه الحرب؟
هل لأننا كنا لا نعرف أن نروي، ومارون عبود هو أستاذ المعرفة والحكاية واللغة والسرد، أم لأن سطح الأشياء كان يمحو الحكايات ويدخلها في مملكة النسيان.
مرة أخرى لست أدري.
لكنني أستطيع أن أؤكد لمريم ، وأنا أروي لها ، وهي أمامي وإلى جانبي وحولي، أنني أرى التمثال أمامي. طوله خمسة وعشرون سنتمترا ، أبيض بياضه، مائل قليلا عند الركبة، عيناها صغيرتان كالعيون الصينية، تقف على الطاولة، وتنتظر.
كانت الدمية نائمة في حقيبة الدكتور لطفي بركات إلى جانب قضيب الخيزران القصير الذي ننتظره كي تسمع الصراخ والبكاء.
هل هي مريم النائمة إلى جانبي، أم هو منام طويل؟
في ذلك الزمان، كانت الحكايات لا تشبه الحكايات.
قالت مريم إنها لم تكن تعرف أن كل هذا سيصبر حكاية. المهم أن لا نعرف، قالت، ثم أغفت أخذتها بين يدي، ثم تركتها تنزلق في النوم.
في ذلك الزمان ، عندما توسدت مريم، لم أكن أعرف هل أتوسدها أم أحتضن الشركسية البيضاء. هل هي الحكاية أم هي من روى لي الحكاية؟ وسألتني : هل الحب هو قصة الحب"؟ وطلبت مني أن أروي لها حكاية.
ليلتها تساءلت عن منام فيصل. المنام احتل مخيلتي وأنا أمشي بين الأزقة المهدمة في مخيم شاتيلا. كانت البيوت تنحني على البيوت وكأنها تحتضنها ، وأنا أمشي فوق الوحل والتراب ، أبحث عن سامية وأسأل عن فيصل.
" مات فيصل" قالت سامية، وهي تمسك بي من يدي لتأخذني إلى قبر على أبي طوق.
وفيصل الذي مات ، ماذا رأى في منامه تلك الليلة من أيلول 1982، حين أصبت ونام بين جثث أمه وأخواته وأخوته؟
عندما روى لي كنت في المستشفى ، وكنت أبحث عنه، لا ، لم أكن أبحث عنه، كنت أبحث عن الحكاية وعن أبطالها.
كيف أصفه؟
فتى في الحادية عشرة أسمر مثل الفلسطينيين أو كما نتخيل الفلسطينيين يشبه هؤلاء الفتيان الذين يرمون الحجارة في شوارع غزة، ونابلس، لكنه كان مهدما، هل سبق لكن أن رأيتم فتى مهدما ؟ عادة نستخدم كلمة مهدم لنصف رجلا كهلاً أصيب بكارثة وأما هذا الفتى فكان مهدماً ولم يكن يشبه الكهول، وجه أسمر ناصع، عينان صغيرتان ترقصان في الوجه، أنف مستقيم شفة ممتلئة تتدلى ، وكلام .
حكى فيصل كلاما كثيرا.
حكى واستمعت إليه وكأنني في منام، لست أدري لماذا بدا صوته هكذا، كأنه لم يكن، مثل الأصوات في المنامات ، في المنام لا نسمع الصوت، نتذكره عندما نستيقظ ، وأما حين نسمعه فهذا يعين أن المنام انتهى.
روى كيف تسد الجثث كي لا يموت.
" دخل المسلحون وبدأ إطلاق النار . كان صوت الرشاشات قويا. كان الصوت وبدأت الأجساد تتساقط وتتكوم فوق بعضها . تكدسنا فوق بعضنا . قال فيصل كانت العائلة تتفرج على التلفزيون ، حين بدأت قنابل الإنارة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي ثم دخل الكتائبيون وأطلقوا النار.
" لم أر وجوههم ، قال فيصل
لا يذكر فيصل الوجوه ولكنه يذكر الأجساد " كانت الأجساد ثقيلة" قال يذكر ثقل جسد شقيقته الصغيرة، التي كانت في السابعة ، وكيف تيبس وصار كالحطب. وبعد ساعات طويلة، يقول فيصل إنه ربما أغفى خلالها أو أغمى عليه بسبب إصابته هرب. ركض في الشارع الرئيسي حيث الذباب والجثث والرائحة. نام من الواحدة فجرا حتى الخامسة صباحاً ثم بدا يركض ، وعندما رأي الصحافيين الأجانب تكوم على الأرض ، ولم يحك.
هكذا تطلع الحقيقة من المنامات.
عندما حلم فيصل بالرجوع إلى فلسطين رأى بلاده موحشة، ووجد نفسه وحيدا. وعندما توسد أجساد الموتى ركض في شارع الجثث ، وعندما رجع إلى شاتيلا ليقاتل في حرب المخيمات التي دامت ثلاث سنوات ، وليعيش الحصار الطويل في مخيم شاتيلا ، كان يبحث عن طريقة للذهاب إلى فلسطين. فلسطين جاءته عام 1987 على شكل طلقة في الرأس وقبر في جامع.
هل هذه هي الحقيقة؟ سألت إميل آزاييف .
هل أخبرته قصة فيصل، أم اكتفيت بأن أشرح له بأن حكاية جرجي الراهب تستحق أن تكتب، لست متأكدا ولكنني أخبرته عن هجره وديع السخن، شريك إسكندر نفاع، إلى فلسطين عام 1959 . أخبرته كيف باع الرجل كل شيء . وبسرعة من أجل اللحاق بابنه الوحيد موسى أو موشيه كما كانوا ينادونه في البيت. موسى أنهى دراسته الثانوية في مدرسة " الاليانس" في " وادي ابو جميل" في بيروت، وهاجر، اختفى من المنزل، ترك رسالة لوالدة يقول فيها إنه هاجر إلى إسرائيل. يومها انهدم وديع السخن من الداخل، لا لأنه كان ضد الهجرة إلى إسرائيل أو ضد المشروع الصهيوني ، لا ، المسألة مختلفة . فالرجل كان مستقراً في بيروت، لقد وصل إلى نهاية مطاف عمره، وهو مطالب اليوم بأن يهاجر ويبدأ حياته من جديد بعد أن وصل إلى مشارف السبعين.
عندما جاء جورج نفاع ليشتري كل شيء ارتفعت الكراهية، كان وديع السخن يرتجف بالكراهية، وجورج أيضاً. وفجأة لم يعد هناك مكان لأي عاطفة ، سوى ذلك الشعور بالاختناق.
" أنتم " قال وديع السخن ، ولم يستخدم عبارة " يا أبني ، كما كان يفعل في الماضي، أنتم تريدون أن تشتروا كل شيء ببلاش".
كان مستعجلا على البيع وعلى الرحيل.





رد مع اقتباس