وداد أحببتها. أحببتها كما أحببت مريم. حاولت أن أشرح لمريم معنى الحبّ, وأنّني حين رأيتها تذهب إلى الجنديّ وتمضي معه لفّني شعورٌ غامض وكأنَّني أمضي أنا, كأنّني صرت داخل عينيْها صورة مصغّرة لرجلٍ كنته, وها هو الآن يمضي إلى حيث تأخذه هذه المرأة.
في (دوما), وجدت حكايات أخرى, ولكنَّني لم أجد الرَّاهب. فقرّرت أنَّ بداية الحكاية هي كتابتها, وأنّ القدِّيس يوحنَّا حين بدأ إنجيله بعبارة (في البدء كان الكلمة), لم يكن يقصد بالكلمة (اللوغوس) اليوناني كما هو شائع, بل كان يقصد الكلمة المكتوبة, كان يقصد المسيح بوصفه كلمة مكتوبة على الصليب. لذلك حمل الرَّاهب صليبه ليبشِّر العرب بسنوات القهر المئة. ولذلك أيضا بدت وداد وهي مرميّة على الخط الأخضر الذي كان يفصل بيروت عن بيروت وكأنّها مصلوبة, مثل كمال ناصر, الشاعر الفلسطيني الذي قتلوه في بيته في بيروت عام 1972, وصلبوه على الأرض, وأفرغوا الرَّصاص في فمه.
لكن وداد كانت وحيدة.
(عاشت طوال حياتها وحيدة), قال جورج للدكتور نجيب الذي حاول معالجة ذاكرة المرأة البيضاء.
والآن يبدو المشهد بعيني جورج, فلا نرى سوى صورة ناقصة. جورج يرى مشهد المطبخ حين اكتشفت مدام لودي زوجها المكتهل وهو يحتضن الخادمة الصغيرة. يرى عيني الفتاة الممتلئتين رعبا وما يشبه الدموع. يرى إسكندر وهو يمسك بيد الخادمة ويخرج من البيت. هنا تغيب صورة وداد وتأتي صورة لودي. لقد تحوَّلت أمّه إلى ما يشبه الخرقة. انهارت فجأة وبدأت تنوح, وحين عرفت أنّ إسكندر أشهر إسلامه وتزوَّج الشَّركسيّة, تحوّلت إلى خيطٍ دقيقٍ مشدود. ذاب نهداها, وصارت تشبه رقبة طويلة مليئة بالتجاعيد.
وعندما مرض إسكندر واعتقد الجميع أنّه سيموت, زغردت لودي في البيت ورقصت, وقالت إنّ الله ينتقم لكرامتها. ولكنَّها ماتت قبل زوجها بعشرين سنة. ماتت كمدا كما قيل. كانت حين تعود من زيارتها لزوجها المريض ترتجف, وتملأ البيت صراخا. تدخل غرفتها وتقفل الباب ولا تفتح لأحد. أكثر ما كان يغيظها انحناءة الشَّركسيّة البيضاء وهي تقبِّل يدها, ثمَّ جلوسها على طرف كرسيّ الخيزران مطرقة الرأس دون أن تحكي.
في مأتمها بكى إسكندر كثيرا. وقف في الكنيسة خلف النَّعش وحيدا. وكانت الشَّركسيّة تقف في الخلف, مع النِّساء, ولا يلتفت إليها أحد.
لم تكن وداد تحكي إلاَّ حين يطلب منها زوجها ذلك.
كانت تلبس ثوبا أبيض, وتغطِّي رأسها بشالٍ من الحرير الأزرق, وتمشي منحنية الرأس وكأنَّها راهبة, ولا تحكي.
مرّة بكت.
كان جورج وشقيقاته يزورون والدهم. إسكندر يستلقي على أريكته في الصَّالة. يلبس قمبازه الحريريّ الأبيض المقصّب, وعلى رأسه طربوشه العثمانيّ الأحمر, وفي يده نربيش النارجيلة التي منعه الأطبَّاء من تدخينها, فصارت وداد تعدّها دون أن تضع الفحم الصغير المشتعل فوق رأس النارجيلة الملفوف بالتنباك. إسكندر يدخِّن دون دخان, والنارجيلة تقرقع بالماء, والأولاد يجلسون حول والدهم, وداد في مكانها على طرف كرسيّ الخيزران, وكلام يتقطَّع وسط الصمت. وبكت.
جورج نفَّاع يذكر أنّ المرأة غرقت في البكاء.
لم يسبق له أن رأى إنسانا يبكي هكذا.
كتلة بيضاء تتحوّل إلى نهرٍ من البكاء. التفت الجميع صوبها ولم يفهموا. كانت تنتفض بما يشبه الحشرجة, ثمّ بدأت ترتجّ, ثمَّ انهمرت الدموع وارتفع النشيج, حاولت أن تقف وتخرج من الصَّالة, ولكنَّها سقطت على الأرض وبدأ بكاؤها.
ركض جورج صوبها.
(اتركها), صرخ إسكندر.
تراجع جورج إلى مكانه, وكانت (تبلعط) وحيدةً وتنتفض, ويخرج النشيج من كلِّ أحشائها.
رفع إسكندر يده إلى الأعلى كي يطلب من أولاده أن لا يتحرَّكوا من أماكنهم.
وبقيت هكذا تتخبَّط في البكاء حوالي عشر دقائق, وكان الأب ينظر إليها بعينيْن لا مشاعر فيهما, والأولاد لا يتحرَّكون, وصوت النحيب يتضاءل ويغوص, وصار يغوص ويغوص وكأنه يغرق.
ثمّ نهضت.
خرجت من الصَّالة وذهبت إلى الحمَّام, اغتسلت وغيّرت ثيابها, وعادت لتجلس في مكانها على الكرسيّ بهدوء, كأنْ لا شيء.
(هي هكذا), قال إسكندر لأولاده. (تصيبها نوبة بكاء بين وقت وآخر, ولكن هذا لا يشغل البال).
جورج أخبر الدكتور نجيب حين جاء لمعالجتها من ذلك المرض المخيف الذي أصابها.
(قد تكون مصابة بداء الصّرع), قال جورج.
(لا, هذا ليس صرعا), جاوب الطبيب, (هذا شيء آخر, يا ساتر, وداد لم تكن مصروعة, وهي اليوم ليست خرفانة, هذا مرض آخر).
ولازمها مرض البكاء طوال حياتها.
إسكندر نفَّاع لم يكن يعرف حين اشتراها أنّه يدخل في منقلب آخر من حياته. اشتراها دون أن يفكِّر في الأمر كثيرا, كان يعتقد أنّه يحلّ مشكلة زوجته مع الخادمات. فمدام لودي كانت تتعذَّب كثيرا مع خادماتها. جميع الخادمات كنّ يغادرن البيت, بعد أقلّ من شهر, هربا من ظلم المدام وبخلها وتكبُّرها.
مدام لودي كانت تشعر أنّها ظُلمت بزواجها من إسكندر, هي ابنة عائلة جلخ الغنيّة التي كانت تعمل في تجارة الحرير, تزوّجت من رجل يعمل في القوميسيون, ولا ينتمي إلى إحدى عائلات بيروت السبع. وكانت طريقتها في التعويض هي التكبُّر على زوجها وظلم الخادمات, والتكلُّم باللُّغة الفرنسيّة. وكانت مأساة البيت هي الخادمات. تأتي الخادمة للعمل وفي أقلّ من شهر تهرب, ويدخل البيت في دوَّامة البحث عن خادمة جديدة. وقرّر إسكندر أنَّ الخادمات لن يدخلن بيته بعد اليوم, وكان ذلك بعد حادثة منيرة الحورانيّة. منيرة كانت فتاة ممتازة, هكذا كان إسكندر يعتقد حين رآها مع والدها في بيتهم ولودي تفاوضه على الأجر الشهريّ. سمراء, في الثامنة عشرة وتعرف كلّ شيء. تطبخ, تغسل, تنظِّف البيت, وتعدُّ النراجيل. لكن منيرة لم تطق البقاء في منزل لودي أكثر من ثلاثة أسابيع. إسكندر أُصيب بالرعب وهو يرى الخادمة تهجم على زوجته وتضربها, ثمَّ تبدأ بتحطيم كلّ شيء. صارت منيرة كالحيوان الهائج, حطَّمت الأواني الخزفيّة في المطبخ, ثمَّ انتقلت إلى الصالة, وبدأت تكسّر كلّ شيء. حملت شاكوشا وبدأت تضرب به أثاث البيت, كلّ شيء كان يتحطَّم, وإسكندر صامت لا يتدخَّل, ولودي مدمَاة على الأرض.
لم تأخذ حتَّى ثيابها.
خرجت منيرة من البيت بعد تلك المعركة ولم تعد. وإسكندر قرّر التوقُّف عن جلب الخادمات.
(أنت مسؤولة), قال لزوجته. (الحقّ عليكِ لأنَّك بلا قلب).
وكانت لودي تئنُّ وهي تقول له إنَّ الحقّ عليه لأنَّه لم يؤدِّب الخادمة الحورانيّة, لأنّ نيَّته عاطلة.
لودي كانت بلا قلب مع خادماتها.
كانت تحبّ الفقراء, توزِّع الثياب والطَّعام على المياتم, أمّا مع الخادمات فكانت تتحوّل إلى إنسانة أخرى. (الخادمة خادمة), كانت تقول, تعامل الخادمات كالعبيد, تجبرهنّ على العمل المتواصل, حتَّى وإن لم يكن هناك عمل, لا تطعمهنّ إلاَّ من أكل الأمس, وتضربهنّ ولا تعطيهنّ الثياب القديمة; لأنها كانت توزعها على العائلات الفقيرة، كما كانت تدعي .
عندما اشترى إسكندر الشركسيّة فكر أنها الحل.
قال لمحمد لاوند، وصديقه تاجر الجملة ، إنه يريد أن يشتري وجع رأسه بأي ثمن. وذهب مع محمد لاوند إلى فندق أميركا، قرب مرفأ ببيروت، وهناك اشتراها بخمس ذهبيات، وكانت لا تحكي ، وصلت بالباخرة من الإسكندرية قبل يومين، بياضها مخطوف من الإرهاق والخوف ، وتنظر بعينين فارغتين ، ولا تعرف سوى بعض الكلمات العربية بلهجة هي مزيج من المصرية والتركية.
اشتراها باعتبارها شركسية. هكذا سماها البائع الذي لا يذكر إسكندر منه سوى صلعته المبقعة بما يشبه الزيت.
قال البائع إنها وداد الشركسية، وهي تساوي ثقلها ذهبا.
اشتراها إسكندر، ومضى بها إلى البيت.
وكانت وداد لا تحكي.
رأسها ينحني قليلاً، وتعمل طوال النهار بلا تأفف لا تنتظر شيئا، وتنظر إلى الأشياء وكأنها لا ترى.
عيناها كبيرتان وغائمتان ، وهي كالمشدوهة لا تعرف، كأنها لا تعرف تمشي خلف لودي كظلها وتطيعها. وحين كانت المدام تضربها، لم تكن تبكي أو تعترض ، كانت كالظل، كأنها غير موجودة، وصارت تتكلم العربية وتفهم فرنسية المدام، ولم تعد لودي تشكو من الخادمات.
عملت هيك لأني حبيتك وعاملتك متل بنتي، يا بنت الكلب، قالت لها لودي وهي تراها تمشي خلف إسكندر الخارج من البيت.
حين وجدتها لودي مع إسكندر في المطبخ، لم تصدق المرأة عينيها فهذه الفتاة النحيلة التي تشبه الظل، لم تكن امرأة بالنسبة للودي ، كانت لا شيء لكن جنس الرجال. "جنس الرجال دني"، قالت لابنها جورج وهي تبكي.
الشركسية البيضاء لم تفهم.
كانت في المطبخ تجلي الصحون، مدام لودي في سريرها من أجل قيلولة بعد الظهر المقدسة ، الأولاد في المدرسة، والخواجة إسكندر في الصالة يدخن نرجيلته قبل أن يعود إلى عمله.
لم تره في البداية.
أحسّت بلهاثه على عنقها، عرفته من رائحة التنباك العجمي المختلط بلهاثه ، ولكنها لم تتحرك تسمرت في الأرض. وضع يديه على كتفيها وبرمها وأخذها بين ذراعيه، تأوهت ، فتحت عينيها وتأوهت . رأى إسكندر التأوه في العينين، واشتعلت فيه كل الرغبات التي لم يكن يدري بوجودها .
قال لها إنه كاد يبكي من الحب .





رد مع اقتباس
