شــاكرة لك المرور الجميل بين صفحات الروايــة،،
ولكم باقي الرواية،،،

جورج نفاع الذي اشترى كل شيء، لا ببلاش، كما اتهمه السخن ولكن بأسعار معقولة نتيجة تدهور الحالة الأقتصادية في البلاد بعد الحرب الأهلية التي جرت في لبنان عام 1958 كان هو أيضاً مستعجلاً على الدفع وعلى الخروج من ذلك المنزل.
رحل وديع السخن انقطعت أخباره. حتى ابنته راحيل التي كانت متزوجة من رجل بيروتي مسلم يدعى كامل الأرناؤوط ، لم تعد تعرف عنه شيئا، أو هكذا ادعت ، وفي تل أبيب مات السخن بعد وصوله بثلاث سنوات، وأقامت زوجته في منزل ابنها الذي كان يعمل مهندسا في مدينة حيفا.
" لم يحتمل أن يصبح لا شيء، مجرد إنسان متقاعد، كتبت الأم لابنتها، وراحيل لم ترو لأحد ظروف حياة أهلها في تل أبيب ثم في حيفا، حتى زوجها لم يسألها شيئا عن هذا الموضوع.
حكاية راحيل مختلفة عن حكاية الشركسية البيضاء،
راحيل لا تمتلك حكاية، حتى أصلها اليهودي نسيه الناس، ولم يذكرها به أحد. وأما وداد الشركسية فقد ركضت في شوارع بيروت وكأنها كانت تركض في أزقة ذاكرتها، وعندما قررت العودة إلى بلادها البعيدة، ذهبت إلى خطوط التماس حيث ماتت ولم يعثر على جثتها إلا بعد ثلاثة أيام.
ماذا أكتب؟
لماذا تبدو حكاية وديع السخن غائمة ولا نهاية لها؟ هنا تقع مفارقة النهاية، مشكلة وديع السخن لم تكن مع ابن شريكه الذي تحول إلى شريكه وصديقه ومثل ابنه وأعز، كما كان يقول. مشكلته كانت ابنه موسى. موسى كان يبحث عن البداية. تكلم عن " أرض إسرائيل" بوصفها بداية كل شيء، بداية الحياة وبداية الحرية. الحرية الشخصية ، الحرية مع النساء ، الحرية من بيروت، الحرية من التقاليد اليهودية الصارمة التي كانت سائدة في البيت. والحرية من الأب. وكان الوالد يوافق ابنه على ضرورة "العودة" وعلى كل شيء. ولكنه لم يكن يريد أن يذهب لأنه لم يكن يستطيع. كان كما قال له ابنه مرة ينتظر الموت ولا شيء آخر.
لم يفهم وديع السخن عبارة الهدف من الحياة، التي كان ابنه يستخدمها بشكل دائم، " هدف الحياة أن نعيش، لا يوجد شيء أهم من أن نعيش"، قال لابنه .
ذهب الابن ليعيش في إسرائيل . صار بيت السخن فارغا ترك موشيه رسالة صغيرة وذهب الأب لم يعد يطيق الحياة، باع كل شيء ورحل، ولم يترك في بيروت سوى ابنته راحيل المتزوجة من رجل مسلم.
اختفى وديع السخن واختفت أخباره ولم يعد جورج نفاع يعرف عنه شيئا ، في تموز1975 ، أي بعد ست عشرة سنة، جاءته راحيل، مع بداية الحرب، وقبل أن تسقط القذيفة على منزل جورج نفاع، ويخرب بيته، ويصاب أبنه بالشلل.
جاءت راحيل وطلبت من جورج مالا، كي تستطيع السفر للالتحاق بابنتها أندريه في باريس. قالت إنها لم تعد تحتمل ، وأنها تعيش وحيدة بعد زوجها، وأن الحرب.. لم يسألها جورج إذا كانت ستذهب إلى هناك. سألها عن موسى وعن والديها. دمعت عيناها وهي تأخذ المال الذي وضعه جورج في مغلف صغير ، وأخبرته عن موت الوالد، وكيف أصيب بالفالج وخرس، وبقي سنتين أخرس قبل أن يموت.
أخبرته أنها سافرت إلى قبرص عندما علمت بمرضه، وتلفتت له من هناك، تكلمت مع أمها ومع موسى. وأما وديع فكان عاجزا عن الكلام. وضعوا له سماعة التلفون على أذنه كي يستمع إلى صوت ابنته، ولكنه لم يكن قادرا على أن يجاوب.
مات ساكنا في تل أبيب، كما عاش ساكنا في بيروت. فوديع السخن، القصير القامة ، المستدير الرأس الأسمر، ذو العينين اللتين تلمعان، لم يكن يتكلم بل كان يهمس، يحيط أصدقاءه وزبائنه بالهمسات. كلامه قليل ، يقترب منك كي يحكي، ويجعلك تفهم دون أن تستمع إلى كلماته.
أخذت راحيل المغلف وشكرت جورج بصوت منخفض ، وكأنها تهمس، ودعها جورج وقال لها إنها مثل ابنته، وأنها تستطيع أن تتكل عليه دائما،
وردت هامسة فلم يسمع جورج غير كلمة شكرا.
أين الخلل في هذه الحكاية؟
هل الخلل في المقارنات وأنا لا أقارن؟ الأشياء تتداعى وتتداخل، كي ترسم طوره المرايا التي تغلف هذا البحر الميت الذي وقفنا على شاطئه مريم وأنا، ورأينا الحكايات تغوص داخل أفقه الرصاصي .
كنت أريد أن أسبح كنت أريد أن أمشي على صفحة الماء، ولكنني لم أجرؤ هذه المرة هذه المرة خفت من الغرق، خفت من عيون الجنود المنتشرين على ضفتي البحر، خفت من البحر.
هل خاف السيد على الصليب؟
لماذا ألبسوه ثياب الخروف وتركوه مذبوحا ، وسط الآلهة، في مأدبة الآلهة كان، وكان الدم الذي غطى السماء.
ذهب إلى الثياب البيضاء ولبسها كي يكون آخر المائتين وأول الأحياء ، كي يكون الأول والآخر فصار كلمة.
ماذا قال لإلهه حين صرخ على الصليب ؟
أسأل ، والسيد لا يجيب.
أسأل، والبحر يستكين بين ضفتي الملح، وأضواء المستعمرات الإسرائيلية تخترق اللون الرصاصي الذي يغطي صفحة السماء.
أسأل ، والسيد يتوسد أجساد مريمانه ،ويموت
وأنا وحدي،
أنا وأنت وهو
وحدنا نواجه هنا السد من العيون المنتفخة بالكراهية .
الحكاية هي المسألة،
والحكاية هي أننا نبحث عن حكايتنا ، وندعي أننا نبحث عن الحقيقة ، نجد الحقيقة فتضيع الحكاية ، وتبدأ من جديد.
وديع السخن لم يكن يمتلك حكاية، استبدل بحكايته الغائبة الكراهية يعبئ بها فراغ اللحظات التي قضاها مع ابن شريكه، حين باعه البيت وحصته في المكتب والدكان لم يكن وديع السخن يكره جورج، كان لا يجد أمامه سوى الكراهية، وهو يقتلع من بيروت ليذهب إلى حيث يجب أن يعود .
ما الفرق بينه وبين الروسية التي تزوجها ألبير آزاييف؟
قال إميل إنه هاجر إلى نيويورك عندما رأى العدالة المستحيلة ، هرب من استحالة حصوله على عدالته إلى عدالة الآخرين، المستحيلة، في أميركا،
في إسرائيل خدم في " جيش الدفاع" خلال حرب تشرين 73 ، أو حرب " يوم الغفران " كما سماها. وبعد ذلك انتقل للعمل في قطاع غزة، قال إنه قرر الهجرة حين رأى ذلك الكهل يمشي جاثيا، يمشي على ركبتيه ويديه ويتراجع إلى الخلف ، خوف من أن تطلق النار على ظهره .
عندما تكون هناك عليك أن تختار بين الكهل وبين حامل البندقية ، لاتستطيع أن لا تختار ، أنا البندقية، وهو الكهل ، فماذا أفعل ؟ بعد نهاية خدمته في الجيش اختار إميل الهجرة إلى أمريكا. الخيار بين حقيقتين قاده إلى الحلم الأمريكي أو الكذبة الأمريكية كما كان يسميها.
إميل يقف، ويشرح لي الفيلم.
على الشاشة الصغيرة، برز رجل كهل ، وحوله امرأة صبية تلبس ملاءة بيضاء، وثلاثة أولاد، صبي وبنتان، الكهل يشير بيده إلى الأشجار داخل كندا بارك، المزروعة بالحشيش الأخضر، وتنتشر فيها المراجيح وحدائق الأطفال.
توقف الكهل عن الدوران حول الأشجار، وبدأ يشرح لابنته وأحفاده، لم يكن يشرح له بل يشرح للكاميرا، يكلم الكاميرا وكأنه يتكلم إلى إنسان. انحنى على الأرض، وبدأ يرسم بإصبعه فوق الحشيش الأخضر، خريطة المنزل الذي لم يعد موجودا ، توقف طويلا أمام المطبخ وتحدث عن الغسالة الأوتوماتيكية التي اشتراها قبل هدم البيت بثلاثة أشهر، نهض وقادهم إلى حيث كانت المقبرة، حقل من الحشيش الأخضر، وكل الاسماء ممحوه.
لم يكن هذا الرجل هو سبب هجرة إميل.
الهجرة كانت بسبب غزة، هناك أمام مخيم الشاطئ، تم تجميع كل الذكور، من عمر 14 سنة حتى 70 سنة ، بعد أن وقف ست ساعات تحت شمس آب الحارقة، مع المئات من الرجال، طلب الرجل الكهل إذناً بالذهاب إلى الخلاء كي يقضي حاجته أذن له إميل الذي كان مجندا في العشرين من عمره، خرج الرجل من الصف ، وبدأ يمشي بتلك الطريقة المخيفة، جثا على ركبتيه ، يداه على الأرض، وتحرك إلى الوراء ، مخافة أن يطلقوا عليه النار في ظهره.
لم تسألني سامية كيف أطلقوا النار على نبيلة،
عندما ذهبت إلى مخيم شاتيلا ، لم تسألني سامية إلا عن نبيلة وابنتها الوحيدة، ولكنها لم تسأل كيف قتلت،
كنت أريدها أن تسأل. أعددت نفسي لأسئلتها، وحضرت أجوبتي عن أسئلة من نوع . كيف أطلقوا النار وأين؟ هل أطلقوا عليها من الوراء أم من الأمام؟
وكانت نبيلة.
1962 : ثانوية الراعي الصالح، في الأشرفية كنا في الصف الأول الثانوي الخامس، ونبيلة سلباق تروي لنا عن فلسطين، أهدتني كتابا لنقولا الدر عنوانه : هكذا ضاعت وهكذا تعود، لا أذكر من الكتاب سوى لو غلافه الأحمر ، وحماسة نبيلة وفخرها وهي تخبرني أن مؤلف الكتاب هو صديق والدها، وأنه يزورهم في البيت.
1988 : بحثت في الأشرفية ، التي يسمونها الجبل الصغيرة أيضا عن ثانوية الراعي الصالح فلم أجدها، الأوتوستراد اخترق الأشرفية وغير معالم الشوارع فيها، وأنا، الذي غبت عنها طوال سنوات الحرب الأهلية ، لم أعد أعرف الأمكنة، اكتشفت حواجز ومسلحين ملتحين، اقتربت كنت أمام مدرستي وقد تحولت إلى الثكنة الرئيسية لميلشيات " القوات اللبنانية".
1966 : ذهبت لزيارة نبيلة في منزلها في عين الرمانة، في ضاحية بيروت الشرقية، وكانت المناسبة نجاحنا في شهادة البكالوريا. كانت تكل هي المرة الأولى والأخيرة التي أزور فيها بيتها، وهناك التقيت شقيقتها الصغرى التي سحرني جمال عينيها.