الجزء ما قبل الأخير،،
أتمنى لكم قراءة ممتعة،،
1976 : دخلت الميلشيات الكتائبية المنزل في عين الرمانة، وكان فيه الأب والأم والأخت الصغرى الجميلة العينين، وقتلوهم . وجدت جثة الفتاة الصغيرة مختبئة قرب السرير، وهي مذبوحة بالبلطة.
1986 : بيروت الغربية ، خلال حرب المخيمات التي حاولت فيها ميلشيات حركة " أمل " السيطرة على المخيمات الفلسطينية في بيروت. كانت نبيلة تركب سيارة أجرة عائدة من عملها في " اليونسيف" حيث كانت مسؤولة عن برامج المساعدات الإنسانية والطبية للمخيمات الفلسطينية ، إلى بيتها في محلة " البربور" أوقفوا السيارة وكانوا ثلاثة مسلحين، وأفرغوا فيها بنادقهم الرشاشة من طراز " كلاشينكوف". عندما أنزلت نبيلة من السيارة، فهمت أن المسالة انتهت . عرفت أن المسلحين الثلاثة المقنعين بالأسود. كانوا يحملون موتها. ترجلت من السيارة ومشت. أحد المسلحين حاول أن يسألها شيكا، وكان يقف بمحاذاتها لحظة نزولها من السيارة لم ترد أو تلتفت . رأت سيارة الأجرة تقلع هاربة بركابها المذعورين. مشت، فأطلقت عليها النار. سمعت الطلقة الأولى ربما، ثم بدا جسدها يتمزق وهو ينتشر، على الرصيف كبقع من المياه والدم. المسلحون غادروا المكان بهدوء وكأنهم لم يفعلوا شيئا ، وبقيت نبيلة مرمية وسط الشارع ، قرب مطعم "حمادة" للفراريج المشوية.
أخبرت سامية عن الجنازة في كنيسة القديسين بطرس وبولس في الحمراء، أخبرتها كيف لم يتكلم أحد مع أحد ، وكيف جاء مسلحان ، يشبهان القتلة، ووقفا أمام باب الكنيسة بعيونهم الناعسة الفارغة، وكانت مقاعد الكنيسة تنوح بصمت ، ونحن نجلس وننظر في وجوه بعضنا المستطيلة ولا نتكلم ، وقف الكاهن أمام المذبح وألقى عظة عن المحبة ، توقف عن الكلام وبدأت دموعه تتساقط فوق لحيته البيضاء. ثم قال لها، قال لنا، إنه لا يريد أن يخاطبنا بل يريد أن يخاطب القتيلة، لم يستخدم كلمة شهيدة، قال قتيلة، وتابع أقول لك إنهم قتلوك لأنك فلسطينية، وأجهش في البكاء.
قلت لسامية إننا لم نكن نعمل أنكم هذا في المخيم ، لم تعودوا قادرين على إقامة المآتم ، لأن المساحات ضاقت بكم فألغيتم القبور.
يومها فهمت أم أحمد، أمسكتني من ذراعي وأخذتني إلى المقبرة الجماعية في المخيم، وكانت قد أقيمت لضحايا مذبحة شاتيلا وصبرا عام 1982 . وفهمت كيف كانت سعيدة وهي تقول بأنهم نجحوا في بناء المقبرة وتسويرها، وارتني تلك الأزهار الغريبة التي نبتت فوق سطح المقبرة الجماعية.
ماذا أحكي؟
الحقيقة لا أعرف كيف. لكننا لم نذهب إلى مطعم " لوكولوس" فأنا لم أكن قد سمعت بهذا المطعم الذي كان يقصده أغنياء بيروت ، وكانت أسعاره نارا. وصلت أنا ومريم إلى أسفل المبنى، حيث رأينا لافتة نصف محطمة تحمل اسم المطعم، وقررنا أن نعود بعد أسبوع،ومعنا طعام وشراب، كي نسكر على شرفة الخراب. ولكننا لم نعد دائما هكذا ، نقرر ولا نذهب ، ثم بعد أن يمر الوقت تختلط الأمور في رأسي، فأتذكر الاشياء التي لم تكن وكأنها كانت .
لكن نبيلة كانت.
وعلي أبو طوق
وفيصل أحمد سالم.دخلت المخيم وسألت عن مكتب حركة " فتح " كانت طرقات المخيم تضيق وتضيق، ثم تحولت إلى ركام. اختفت الطرق ، الركام هو الطريق، والمياه الآسنة تفرش الأرض برائحة ذلك الموت الذي يتسلل إلى المفاصل. كان الأفق ينحدر إلى البيوت المهدمة، ويدخل في شبابيكها. لم يكن هناك أفق. في شاتيلا اختفت السماء داخل الحطام، وتحول الماء إلى برك داخل الثقوب في الحيطان التي سقطت على الأرض.
والشركسية البيضاء،
أما جرجي الراهب فهو حكاية،
مع جرجي الراهب تبرز المشكلة .
حكايته كما رويتها لمريم ناقصة، أنها مجموعة افتراضات، ولا يقين في أي منها، ماذا علينا أن نفعل حين نواجه بمثل هذا الوضعية، هل ننسى القصة، أم نحاول أن نرويها بأكثر الأشكال احتمالية.
في الماضي، كان هذا النوع من الحكايات ينسى ويترك للزمن، فيقوم الزمن بإعادة صياغتها وتحويلها إلى ما يشبه الأسطورة، أو إلى حكاية شعبية على أقل تقدير. في الأسطورة تتجمع عناصر اللاوعي الفردي والجماعي ، وأما في الحكاية الشعبية فإن هذه العناصر تتحول إلى رموز تخاطب اللاوعي، ومع الزمن تتحول إلى حكايات للأطفال،
غير أننا نعيش اليوم في عصر التدوين ، أي أننا حين ندون الحادثة لحظة وقوعها فإننا نلغي
احتمالات أسطورتها، ولذلك لجأ كتاب أميركا اللاتينية إلى الماضي الشفهي من أجل صياغة أساطيرهم الحديثة، غير أن الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو قد قدم اقتراحا آخر هو تحويل النصوص القديمة إلى نصوص أحتمالية، وقام بإدخال النص المدون في الأسطورة الحديثة، وافتراض إيكو، رغم جماليته ، يبقى افتراضاً ذهنياًن ولا يقدم حلاً أدبياً لمسألة الحكاية، الأسطورة.
مع جرجي الراهب المسألة مختلفة.
نحن أمام خبر صغير في صحيفة النص الخبري لا يقول الكثير، يقول فقط إن الرجل قتل بالرصاص . كما أننا أمام حكاية شفهية روتها امرأة كلها من مخيم المية ومية فماذا نختار؟
احترت في الأمر كثيرا. من المؤكد أن جرجي الراهب لم يكن يقوم بخطف يهودي ليلة الجمعة العظيمة. فمسألة خطف رجل يهودي، في الأربعينات، وفي مدينة القدس، كانت مستحيلة، عمليا. غير أن قصته بقيت في الذاكرة الشعبية بسبب هذا الافتراض . أي أن حياة قصة الراهب اللبناني مرتبطة بحدث لم يقم به . إنه مدين بحياته الحكائية للخيال الشعبي. ولذلك فإن حذف هذه الحادثة من القصة من أجل أن لا يتهمني السيد إميل آزاييف باللاسامية، سوف يبدو غير عادل بالنسبة للحكاية، بينما هو سبب ضروري من أجل الحقيقة. هل أحذف الحكاية بأسرها ، وأتخلى عن محاولة كتابتها، أم أكتبها ناقصة؟
ماذا إذن؟
لست أدري. لكن ما أعرفه من خلال لقاءاتي مع أناس كثيرين من أصول مقدسية ، سمح لي بأن أصوغ هذه الصورة عن الراهب .
بعد هرب جرجي الراهب من دير " مار سابا " تحول إلى زعيم عصابة. جمع حوله بعض الفتيان، وأنشأ عصابة الجليل التي كانت تقوم بنهب قوافل المهربين، وتوزيع الغنائم على فقراء الجليل وجنوبي لبنان. وصارت " عصابة الراهب" ، كما كانت تدعى، مرهوبة الجانب من الجميع، إلى درجة أن أحد زعماء المهربين، وكان يدعى أحمد الخواجة، عقد صفقة مع الراهب صار يدفع بموجبها فدية عن كل قافلة ، كي يأمن شرها، كان الراهب وجماعته يحملون السلاح ، ولكنهم لم يستخدموه مرة واحدة. وكان جرجي بثوبه الرهباني الأسود، وبندقيته الإنكليزية، يرى نفسه على صورة السيد المسيح، حاملاً سوطه، ليطرد التجار من الهيكل.
البندقية هي سوط المسيح ، هكذا كان يعتقد الراهب، وذلك لم يطلق النار إلى في الهواء.
بقيت الحال، هكذا أعواماً قليلة، حتى تعرضت العصابة لكمين أقامته إحدى كوبانيات اليهود" هكذا كانت تسمى المستوطنات الهيودية آنذاك ، في منطقة الجليل. كانت العصابة قادمة بسلاحها إلى ضواحي مدينة الناصرة حين انهمر عليها الرصاص، فقتل أربعة من عناصرها الستة ، ولم ينج سوى الراهب ، ومعه شاب أردني من السلط يدعى عيسى، هرب الراهب وعيسى في الأحراش ، واختبأ ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع عاد عيسى إلى السلط، وذهب الراهب إلى القدس حيث استأجر غرفة في " حي النصارى" .
ويوم الخميس العظيم، حمل الراهب صليبا كبيرا ومشى في شوارع القدس وهو يصرخ بأنه يحمل صليب العمر ، ووصل إلى إطراف الحي اليهودي في المدينة، حيث رجم بالحجارة.
وبعد ثلاثة أيام على هذه الحادثة قتل الراهب، وقيل إنه كان مجنونا، وإنه وإنه..
الخيال الشعبي هو الذي أضاف وأنا أقوم بالحذف وهذا غير عادل ولذلك أقول إن الراهب كان، وكأنكما في الحكاية التي روتها لي المرأة في مخيم المية ومية.
لا اذكر إذ كنت قد أخبرت إميل آزاييف شيئا من هذا. كنت مشغولا بحكاية حب تترنح في نهايتها . هكذا الحب، يترنح قبل أن ينتهي. يوحي بأنه يبدأ حين يكون قد بدء بالاختفاء داخل تلافيف الذاكرة ما هذه الذاكرة التي تجعلنا نعتقد أن الحب عز حين يكون قد انزلق إلى نهايته التي تشبه الذكريات.
لكن الحكاية قد تتخذ شكلا آخر.
فأنا ذهبت إلى مخيم شاتيلا. كان ذلك يوم الاثنين 14 آذار 1987 كان اليوم الأول الذي فك فيه الحصار عن المخيم، بعد ثلاثة سنوات طويلة، وصلنا إلى الحاجز السوري الذي وضع بين المخيم وبين محاربين من حركة " أمل " وبعد أسئلة كثيرة وتفتيش وإلى آخره سمحوا لنا بمتابعة طريقنا إلى داخل المخيم.
كنت ذاهبا لزيارة عبر علي.
كان علي أبو طوق صديقي. سنوات الحرب الأهلية قضيناها معا، في الخنادق والبرد والموت وتحت مطر القذائف. ثم افترقت خطانا، على تحول إلى فدائي في كتيبة ( الجرمق) وأنا صرت ما أنا وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ، غاب على في السفن اليونانية التي نقلت الفدائيين إلى منافيهم الجديد عام 1984 ، بعد انتفاضة 6 شباط ، وانسحاب المارينز الأميركيين، عاد على إلى بيروت، بلحيته القصيرة، وعصاه، ليتحول إلى القائد العسكري لمخيم شاتيلا ، عاد ليصير رجل الحصار، ثلاث سنوات من الحصار والدمار، والمخيم يضيق ببيوته المدمرة، حتى تحول إلى كمشة من البيوت التي يسند دمار واحدها دمار الآخر.
ومات علي.
سمعت الخبر في الراديو.
وفي صباح 14 آذار 1987 ، وهو اليوم الأول الذي فك فيه الحصار عن المخيم، ذهبت إلى هناك. كنت أعلم أن عليا يحب امرأة اسمها سامية ( وهذا بالطبع ليس اسمها الحقيقي ، ولكني أغير أسماء النساء حين أراهن في الحب، لأنني أعتقد أن الحب يغير كل شيء في المرأة حتى اسمها) .
كنت أمشي كمن يمشي ، وأتهدا بلحيطان وأنزلق وأمشي. دخلت زقاقا إنه الزقاق الوحيد الذي ما يزال قائما وسط هذا الدمار، وسألت عنها . قادوني إلى مكتب " فتح " ، صعدت الدرجات الأسمنتية الثلاث، ودخلت غرفة شبه معتمة، ورأيت شبانا وفتيان باللباس العسكري يجلسون على الأرائك والكراسي وكأنهم يسترخون بعد توتر طويل. ثم جاءت امرأة بصينية القهوة. البخار يتصاعد والرائحة . قهوة طازجة تفتح القلب. أمسكت فنجان الشفة بين الاثنتين، كان برد آذار يحول بخار الفنجان إلى دوائر بيض في سماء الغرفة. أمسكت الفنجان، وشربت.
ودخلت.
تقدمت مني، احتضنتني وقبلتني على وجنتي كان شعرها الأسود طويلا ومبلولا ويتهدل فوق كتفيها. كانت تلبس سترة صوفية بيضاء، ورائحة العطر الصابوني تغلفها.
" أنت فيصل" قالت.





رد مع اقتباس