|
|
عندما تنفرط أولى حبات الفساد
![]()
الحديث عن الفساد والمتورطين بات حديث الناس الشاغل أخيرا في الإمارات، بعد الأخبار التي نشرت عن مسؤولين تم القبض عليهم والتحقيق معهم، بعد أن ثبت تورطهم في قضايا مالية تصنف ضمن قضايا الفساد الذي يمارس من خلال استغلال المناصب الحكومية لتحقيق أغراض شخصية.
ولأن هذا النوع من القضايا يستغرق وقتا لحين الحكم فيه، فلابد من طرح تساؤلات مشروعة حول الفساد الذي يُتهم فيه أبناء الوطن الذين يعز تورطهم في قضايا من هذا النوع، بعد أن تقلدوا مناصب يفترض أنها أغنتهم ماديا ومعنويا، وجعلتهم في منأى عن الوقوع في فخ الفساد الذي قد يجد له آخرون مبررات فيما لو وقعوا فيه، كونهم يتواجدون في دول أخرى غير الإمارات لم تمنحهم حقوقهم فاضطروا لانتزاعها.
لا نقول ذلك دفاعا عن مجتمع الإمارات أو تبرئة لساحة المسؤولين فيه من الفساد، لأننا ندرك تواجد الفساد في أي مكان وجدت فيه نفوس غلب عليها الطمع وافتقدت للمهنية، وغابت عنها الرقابة التي من الممكن أن تضع حدا لفسادها، لكننا نقول ذلك لأن الإمارات كدولة احتلت في تقرير أصدره «البنك الدولي» العام الماضي المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث مكافحة الفساد والالتزام بمعايير الشفافية.
وجاءت في المرتبة الأولى عربياً والحادية والثلاثين عالمياً. فإذا كانت الإمارات قد حققت هذه المراتب في مكافحة الفساد، فكيف غاب المتورطون بالفساد عن أعين الجهات المعنية؟ كان ذلك محل تساؤل عامة الناس عن مصادر الثراء التي ظهرت فجأة على بعض المسؤولين دون مقدمات، وعن المهارات والخبرات التي توافرت لديهم حتى جعلت الواحد منهم يتقلد مناصب لكل منها مكافآته، فمدّ يده إلى أموال عامة على حساب ادخار تلك الأموال والاستثمار فيها للأجيال القادمة.
يتوقع بعضهم، بل إنهم يأملون الكشف عن أسماء أكثر وفي مناصب أعلى متورطة في الفساد لتكون عبرة للغير طالما أنها لم تعتبر بمن سقط قبلها بسنوات. لكن الأهم في ملف الفساد بعد الإطاحة بالعقول المدبرة للفساد هو الوقوف عند الثغرات التي ساعدت على تمادي الفاسدين وسدها، لاسيما الثغرة المتصلة بمنح من يثبت نجاحهم في احد المشاريع عددا من المسؤوليات والثقة التي تفوق قدرتهم على تحملها.
فالإيعاز إليهم بمسؤوليات كبرى في مختلف المجالات أتاح لهم وضع أيديهم على أهم الأجهزة الحكومية وأكثرها حساسية حتى الرقابية منها، واستخدام سلطتهم على تلك الأجهزة بالشكل الذي يضمن عدم الكشف عن أخطائهم أو تعريضهم للمساءلة. والأكثر أن مناصبهم جعلتهم منفردين في اختيار مسؤولين يتولون قيادة أجهزة ومؤسسات حكومية ضمنوا منهم الولاء والطاعة والخضوع لتوجيهاتهم الخاصة.
قاموا بذلك وهم متعمدون السرقة من وطنهم في وضح النهار بما ارتكبوه من ممارسات مست مؤسسات الدولة، وأساءت إلى آخرين مخلصين تم استبعادهم لا لقلة خبرتهم أو تواضع إمكانياتهم، بل لأن ذممهم أغلى من أن تباع وتشترى. سرقة للوطن تعبير قاس ومؤلم لكن الألم الأكبر عندما يكتشف الوطن ان من بين أولئك الفاسدين قيادات شابة كان يضرب المثل بهم ويطالب الاحتذاء بأفعالهم!
هذا ما سنكمل الحديث عنه غداً بمشيئة الله.
جريدة البيان