|
|
عندما عاد رجل الأعمال تم اقتياده من المطار إلى غرفة التحقيق حيث أبدى استغرابه من اتهامه بقتل زوجته، بل غضب كثيراً عندما عرف بموتها. وعندما قال له الضابط إن الشبهات تحوم حوله بسبب علاقته السيئة بزوجته قال إن ذلك كان أمراً طارئاً.
بعد فحص جثة القتيلة من قِبل خبراء «الانتربول» أشاروا إلى أن الوفاة حدثت قبل خمسة عشر يوماً، وقد توصلوا إلى ذلك من خلال فحص الذباب والديدان التي كانت بالجثة، إضافة إلى ذلك فإنه من خلال فحص التربة التي وُجدت عليها الجثة تبيّن أن التربة لا تحتوي على أحماض نزفت من الجثة ما يعني أن جثمان القتيلة رُمي هناك بعد قتلها بساعات.
في ساعة مبكرة من صباح أحد الأيام تلقت غرفة العمليات في إدارة البحث الجنائي اتصالاً هاتفياً من شخص يقول إنه بينما كان وفريق الكشافة الذي معه يتسلقون منطقة جبلية عثروا على جثة سيدة مغطاة ببطانية. حاول الضابط الذي تلقى الاتصال معرفة المكان من الشخص المتصل وعلى الفور انطلقت طائرة عمودية تحمل فريق البحث الجنائي والمصورين التابعين للفريق إضافة إلى الطبيب الشرعي وخبراء الأدلة.
معلومات أولية
كانت المعلومات عن المرأة القتيلة شحيحة، فليس معها أي إثبات شخصي أو هاتف نقال ولكن فريق البحث الجنائي شرع في جمع المعلومات وبعد أخذ نحو 200 صورة للمرأة وللمكان الذي وُجدت فيه، تم حملها بالبطانية التي كانت مغطاة بها ونُقلت إلى مستشفى المختبر الجنائي.
بدأ الضابط المسؤول عن القضية يستعرض عمليات التبليغ عن مفقودين فوجد أن سيدة أبلغت عن اختفاء ابنتها، وعند الاتصال بالسيدة حضرت إلى المستشفى حيث تعرفت على المرأة المقتولة قائلة إنها ابنتها، وإنها تتهم زوج ابنتها رجل الأعمال المعروف بأنه هو الذي قتلها، حيث أكدت أن هناك خلافات كبيرة بينهما وذلك بسبب طلب ابنتها الطلاق من زوجها الذي يعاملها معاملة سيئة ويشك في تصرفاتها متهماً إياها بأنها على علاقة برجل آخر.
اتصل الضابط بمكتب رجل الأعمال إلا أن السكرتيرة أخبرته بأن الرجل سافر في رحلة عمل منذ عشرة أيام وأنه قد يعود خلال اليومين المقبلين.كان الضابط ينتظر بفارغ الصبر كي يحصل على تقرير المختبر الجنائي الذي سيحدد تاريخ الوفاة وسببها والمعلومات الأخرى عن الضحية مثل عمرها ونوع حمضها النووي وطولها ووزنها قبل الوفاة وغير ذلك.
في الوقت الذي تلقى فيه الضابط تقرير المختبر الجنائي كان أصدر أوامره باعتقال رجل الأعمال على ذمة القضية فور عودته من رحلة العمل التي يقوم بها.أما تقرير الطبيب الشرعي الذي يعمل في المختبر الجنائي فقد جاء فيه أن السيدة تبلغ من العمر 32 عاماً وطولها 175 سم ووزنها قبل الوفاة كان ما بين 55 ـ 57 كيلوغراماً بيضاء البشرة شقراء الشعر زرقاء العينين حافية القدمين.
كما جاء في التقرير أيضاً أن هناك كسوراً في أنفها حيث تعرضت لضربات قوية على وجهها قبل وفاتها بطلق ناري من رصاصة مغطاة في المقدمة بمادة الـ «شمنيٌَُم» وأن الوفاة تمت في الحال لاختراق الرصاصة الصدر وأن الوفاة حدثت قبل عشرة أيام.
وأهم ما جاء في التقرير أن القتيلة وُضعت بعد موتها مباشرة في ثلاجة خضروات أو فاكهة (السيارات الكبيرة على شكل ثلاجة التي تنقل الخضار والفاكهة من مدينة إلى أخرى) وبقيت في تلك الثلاجة نحو 15 ساعة حيث دلت الاختبارات التي أجريت على جسم القتيلة أن الأعضاء الداخلية لجسمها مثل القلب والرئتين تضررا بشكل سريع بسبب البرودة داخل الثلاجة في حين حافظ الجلد على تماسكه.
عودة رجل الأعمال
عندما عاد رجل الأعمال تم اقتياده من المطار إلى غرفة التحقيق حيث أبدى استغرابه من اتهامه بقتل زوجته بل إنه غضب كثيراً عندما عرف بموتها.وعندما قال له الضابط إن الشبهات تحوم حوله بسبب علاقته السيئة مع زوجته حيث سبق أن قدمت فيه بلاغاً للشرطة لضربه لها ولسوء معاملته لها، أخبر الضابط أن ذلك كان أمراً طارئاً وأنه إذا كانت زوجته قد قتلت منذ عشرة أيام فهذا يعني أنه بريء لأنه كان مسافراً خلال هذه المدة.
ثم طلب من الضابط أن يسمح له بأن يفتح حقيبته حيث فتح رجل الأعمال حقيبته قائلاً للضابط انظر ماذا أحضرت لها لقد أحضرت لها خاتماً من الألماس مكتوب عليه اسمها وثمنه موجود في هذه الفاتورة وهو يصل إلى 95 ألف دولار، فكيف أشتري لها هذه الهدية وأقتلها؟
قال له الضابط إن والدتها تتهمك بقتلها، وهنا تدخل محامي رجل الأعمال طالباً الإفراج عن موكله بأي ضمانة يريدونها مؤكداً في الوقت ذاته أنه وموكله سيكونان تحت أمر الشرطة في أي وقت من أجل اكتمال التحقيق، حيث إن رجل الأعمال نفسه يريد أن يعرف من قتل زوجته، ولماذا؟ هنا سأل الضابط رجل الأعمال إن كان لديه مسدس، فقال نعم لدي مسدس وهو مرخص ويمكن أن تتأكدوا من ذلك.
لم يجد الضابط بداً من الإفراج عن رجل الأعمال فليس هناك ما يدعو لاحتجازه، خاصة وأن التقرير الطبي للوفاة أشار إلى أن المرأة قُتلت قبل عشرة أيام في الوقت الذي كان فيه زوجها رجل الأعمال في رحلة عمل في الخارج.بدأ الضابط يفكر في كيفية وقوع الجريمة والغموض الذي يكتنفها خاصة وأن المدينة التي كانت تعيش فيها القتيلة تبعد عن المكان الذي وُجدت فيه نحو 80 كيلومتراً.
ثم لماذا تم وضعها في الثلاجة لمدة تقرب من 15 ساعة، قام الضابط بالاتصال بـ «الانتربول» وطلب المساعدة في كشف الجريمة بعد أن أعطى مكتب «الانتربول» كل المعلومات التي لديه عن الجريمة والقتيلة، مؤكداً أنه يشك في زوجها بأنه هو القاتل لأنه لم يتأثر عندما تم إعلامه بأن زوجته قد قُتلت.
نتيجة لهذا الاتصال أرسل مكتب «الانتربول» خبراء في علم الجريمة حيث قاموا بفحص جثة القتيلة والبطانية التي كانت مغطاة بها ثم قاموا بفحص المكان الذي وُجدت فيه الجثة، بعد ذلك قدموا تقريراً مفاده أن الوفاة حدثت قبل خمسة عشر يوماً وليس عشرة أيام، وقد توصلوا إلى ذلك من خلال فحص الذباب والديدان التي كانت موجودة في الجثة عندما تم العثور عليها.
فالذباب عادة ما يظهر قبل الديدان ولذلك يموت أولاً لأن مدة حياة الذباب الذي يأكل الجثث تتراوح بين 6 إلى 8 أيام، في حين أن الديدان تأخذ وقتاً أطول لأن ظهورها يتأخر، وقد تبيّن من فحص الديدان أن بعضها يصل عمره إلى اثني عشر يوماً وثلاثة عشر يوماً، وهذا يعني أنها ظهرت بعد وجود الجثة بيومين أو ثلاثة أيام على الأقل.
إضافة إلى ذلك فإنه من خلال فحص التربة التي وُجدت عليها الجثة تبيّن أن التربة لا تحتوي على أحماض نزفت وتسربت من جسد القتيلة ما يعني أن المرأة ألقيت في هذا المكان بعد مقتلها بساعات عدة.وأشار تقرير «الانتربول» إلى أن وضع المرأة بعد مقتلها في السيارة الثلاجة لمدة طويلة كان الهدف منه تضليل رجال الشرطة لأن البرودة العالية التي وُضعت فيها الجسد أثر على تحديد زمن الوفاة بدقة.
البحث عن «السيارة الثلاجة»
بدأ الضابط وضع خطة لتفتيش السيارات التي هي على شكل ثلاجات كبيرة، ورغم أن عددها كان يتجاوز الآلاف إلا أنه كان لا بد من ذلك من أجل الإمساك بالقاتل وتحقيق العدالة.كانت الخطة تقضي بتفتيش تلك الآلاف من السيارات خلال فترة لا تزيد على أربع وعشرين ساعة حتى لا يتسرب الخبر إلى الشخص المعني ويقوم بأي عمل للتخلص من آثار الجريمة. وفعلاً تمت الخطة كما يجب لكن أياً من السيارات التي تم فحصها لم تحمل آثار الجريمة.
شعر الضابط والفريق الذي معه بخيبة أمل كبيرة ولكن إحدى العميلات طلبت من الضابط أن يستصدر إذناً بتفتيش الفيلا التي يعيش فيها رجل الأعمال.بصعوبة تمكن الضابط من استصدار المذكرة فرجل الأعمال شخصية معروفة لها أثرها الكبير في الوسط الاجتماعي، عند دخول الفيلا واجه الفريق بعض المضايقات من الحراس الشخصيين لرجل الأعمال إلا أنهم دخلوا أخيراً بعد أن هددوا بأنهم سيطلبون دعماً كبيراً، وعندها ستتحول عملية التفتيش إلى فضيحة.
قالت العميلة للضابط الذي يقود الفريق سأذهب لأتفحص غرفة النوم الخاصة برجل الأعمال وزوجته، وعندما سألها الضابط لماذا غرفة النوم أولاً، قالت لقد قرأت رواية بوليسية تقول إنه من غرفة النوم ينتهي الحب وتبدأ الجريمة.
بدأت العميلة والفريق الذي معها بتفحص الفيلا كاملة حيث استخدم الفريق في الكشف عن الدم الأشعة الزرقاء، تسللت العميلة إلى غرفة النوم وأغلقت الأبواب والشبابيك فتحولت الغرفة إلى ظلام ثم قامت برش مادة الـ «ذويُّوفُّ ِويٌيَم» على جدران الغرفة مسلطة الأشعة الزرقاء عليها وفجأة ظهرت آثار دماء على أحد الجدران، كان ارتفاع أثر الدماء يدل على أن الضحية تلقت الرصاصة في الصدر ثم سقطت على الأرض حيث ظهر شريط الدماء واضحاً رغم أن الحائط كان قد غُسل بشكل جيد.
استمرت العميلة في تتبع آثار الدماء على سجاد الغرفة حيث وجدت شريطاً آخر من الدماء ممتداً من الحائط إلى باب الغرفة.من جانبه، كان الضابط يتفحص مسدس الرجل حيث وجده نظيفاً من الداخل (السبطانة) وعندما سأله الضابط عن الرصاص الذي عنده أعطاه علبة كاملة وأخرى ناقصة ست رصاصات وكانت الرصاصات كلها تحمل على رأسها مادة الـ «شمنيٌَُم»، وعندما سأله الضابط عن الرصاصات الست قال الرجل إنه أطلقها وهو يصطاد الدجاج البري، وعندما سأله أين وجدت الدجاج البري قال بضحكة غامضة كنت أصطاد الطيور وحسب.
في هذه الأثناء خرجت العميلة لتقول لرجل الأعمال أنت قتلت زوجتك في غرفة النوم عندما كانت واقفة على الحائط القريب من الحمام، فقد وجدت آثار الدماء على الحائط وعلى السجاد، فقال لها الرجل أنت تكذبين. وهنا قالت له تعال لترى بنفسك.بدأ الرجل يشاهد آثار الدماء على الحائط الذي حددته العميلة وكذلك على السجاد وفجأة أصيب بثورة عارمة أفقدته صوابه حيث أمسك برقبة العميلة محاولاً خنقها.
وقعت العميلة على الأرض وهي تكاد تموت، فقد كانت الغرفة مظلمة والجميع منشغل في البحث ومشاهدة بقع الدم ولم يتوقع أحد أن يقوم رجل الأعمال بهذا التصرف.تم إبعاد الرجل عن العميلة التي استعادت وعيها مؤقتاً حيث سددت للرجل ضربة كاراتيه في مكان حساس من جسمه أفقدته الوعي.
في سيارة الإسعاف تم نقل العميلة والرجل إلى مستشفى البحث الجنائي حيث تبين أن العميلة مصابة بتهتك في أحبالها الصوتية وإصابة أخرى تحت العين اليسرى، أما الرجل فقد كانت حالته سيئة استدعت إدخاله إلى غرفة العناية المركزة، فقد كانت الضربة قوية جداً إلا أنها لم تكن قاتلة.
الاعتراف
بعد تماثله للشفاء تم نقل الرجل إلى غرفة التحقيق حيث اعترف بأنه هو الذي قتل زوجته، بعد أن طلبت منه الطلاق أكثر من مرة لسوء تصرفه معها.وقال إنه كان يحبها لكنه تغير معها وأصبحت تصرفاته غير مقبولة بعد أن شك في تصرفاتها وأنها على علاقة مع شاب من جنسيتها. وأضاف أنه بعد أن قتلها وضعها في بطانية ثم طلب من سائق «سيارة ثلاجة» أن يستأجر سيارته لنقل بعض المحاصيل إلى مدينة بعيدة مقابل مبلغ كبير من المال حيث وافق صاحب «السيارة الثلاجة» وتم وضع الجثة فيها وتشغيل التبريد إلى أقصى درجة من البرودة حتى يغير ملامح جسدها حيث تمت عملية القتل في الصباح وبقيت في الثلاجة حتى فترة متأخرة من مساء اليوم ذاته ثم تم رمي الجثة في مكان بعيد حتى لا يصل أحد إليها.
إضافة إلى أن المكان الذي تم رمي الجثة فيه يبعد عن المدينة التي تم ارتكاب الجريمة فيها مسافة كبيرة. سأله الضابط هل أنت نادم على قتل زوجته لمجرد أنك كنت تشك فيها، فرد الرجل قائلاً: لا، ولكني نادم كثيراً على أن العميلة لم تمت.
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))