بقلم :علي عبيد
تهب علينا نسائم اليوم الوطني الثامن والثلاثين، حاملة إلينا شيئا من عبق الماضي ممتزجا بعبير الحاضر، لنبحر معها متنسمين رائحة المستقبل الذي نتطلع إليه بكل الأمل والتفاؤل الذي لم نتخل عنه يوما، منذ أن بزغت فكرة الاتحاد وأشرقت شمسه على كل أرجاء الوطن، لتغمره بالنور الذي على هداه تمضي المسيرة.
في الذكرى الثامنة والثلاثين لقيام الاتحاد، تختلج في النفس مشاعر يبدو التعبير عنها من باب التكرار غير الممل، وفي الذكرى أيضا تبرز أمنيات تفرض نفسها لتحتل المساحة الأكبر من التفكير، لأن التعبير عن المشاعر ربما يعتبره البعض ضربا من ضروب الإنشاء التي يتفاوت فيها الكتّاب، فيأتي بعضها بليغا، ويعجز بعضها الآخر عن إدراك فنون البلاغة كلها فلا يحقق الغاية القصوى منه، لذلك رجحت كفة الأمنيات هنا على كفة التعبير عن المشاعر التي يعجز القلم عن وصفها.
في الذكرى الثامنة والثلاثين لقيام الدولة، نتمنى أن تبقى فكرة الاتحاد متقدة لا تخبو شعلتها، لأن هذا الوطن قام على هذه الفكرة التي كانت تتطلب من المؤسسين تضحيات، لم يتأخروا عن تقديمها في سبيل إقامة هذا الكيان وتأسيسه على مبادئ راسخة لا تتغير. إن من وُلِد تحت مظلة الاتحاد، وهو جيل يوشك أن يكمل عقده الرابع، لم يعرف له وطنا سوى «الإمارات العربية المتحدة»، ولم يختبر العيش تحت مظلة غير مظلة الاتحاد، لذلك فهو لم يعش سوى المرحلة الأجمل من تاريخ هذه الأرض. ولهذا فإن على مناهجنا الدراسية ووسائل إعلامنا، أن تركز على هذه الفكرة كي لا يفقد هذا الجيل والأجيال القادمة هذه الروح، وكي يضم هذه الفكرة بين جوانحه، ويضع هذه الدولة في قلبه، ويحافظ عليها أكثر من روحه.
في الذكرى الثامنة والثلاثين لقيام الاتحاد، نتمنى أن لا يطغى المحلي على الاتحادي، فكلما تقدمنا خطوة نحو المحلي تراجعنا خطوات بعيدا عن الاتحادي. وإذا كان الاتحاد حلما تحقق بفضل مثابرة المؤسسين الأوائل، فإن الوحدة هي الحلم الأكبر الذي نعتقد أن الأبناء والأحفاد قادرون على تحقيقه وتحويله إلى واقع معاش، تختفي فيه الفروق بين أبناء الوطن. وفي تصريحات قادة الدولة ما يؤكد هذه الفكرة ويغذي هذا الحلم، فقد أثبتت الحوادث والأزمات أن الوحدة هي الحل الأمثل إذا أردنا البقاء، وأن أي فكرة أخرى هي الخطأ بعينه.
في الذكرى الثامنة والثلاثين لقيام دولتنا، نتمنى أن نرى نهاية لمشكلة التركيبة السكانية التي تؤرق أبناء الوطن، وأن نرى بداية حقيقية للتوطين الذي هو مطلب وحل لهذه المشكلة التي ما زالت تراوح مكانها، رغم كل الجهود التي بذلت لحلها على مدى السنوات الماضية من عمر الاتحاد، خاصة بعد تشكيل «المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية» وإلحاق «مجلس الإمارات للتوطين» به، كونهما يكملان بعضهما من حيث الهدف المتمثل في تنمية وتعزيز قدرة المواطنين، وشحن طاقاتهم وتسخيرها لخدمة الوطن. فقد أصبحت التركيبة السكانية كابوسا يجثم على صدور المخلصين من أبناء الوطن، ويفاقم من خوفهم وقلقهم على مستقبل الأجيال القادمة.
في ظل المؤشرات التي تطرحها الإحصاءات عاما بعد عام والرسائل التي تبعثها، الأمر الذي يستدعي «العمل على تنسيق الجهود وتوحيد السياسات السكانية على مستوى إمارات الدولة، بما يكفل الاتفاق على اتباع منهج شامل لمعالجة المواضيع ذات الصلة بالتركيبة السكانية، وإيجاد حلول مناسبة لها، بحيث يتحقق الانسجام والتوافق بين التنمية المستدامة والسياسة السكانية»، وفق ما جاء في قرار إنشاء المجلس، الأمر الذي يجعل من مسألة التوطين واحدة من أهم الحلول المطروحة لمعالجة خلل التركيبة السكانية، وسد واحدة من أكبر الثغرات التي تأتي منها المخاطر الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكل أشكال الخطر على الوطن وأبنائه.
نتمنى في الذكرى الثامنة والثلاثين لتوحيد الوطن، أن يكون التعليم على رأس اهتمامات الدولة، لما يشكله من عامل قوي في ترسيخ فكرة الوطن المتحد لدى أبناء الإمارات الذين يشعرون بغربتهم عن وطنهم في الكتب التي يدرسونها.
نتمنى أن نجد الوطن حاضرا بقوة في مناهجنا الدراسية كي نعزز الانتماء الوطني في نفوس أبنائنا الطلبة، الدارسين منهم في المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء، فلا يكفي أن يقف الطلبة كل يوم في طابور الصباح ليستمعوا إلى السلام الوطني ويؤدوا تحية العلم.
وما لم يجد الطالب قرى وطنه ومدنه، البعيد منها قبل القريب، بين دفتي الكتاب الذي يدرسه، فإن كل الجهود التي تُبذَل لغرس الانتماء الوطني في نفسه سوف تذهب سدى، وما لم يقرأ الطالب تاريخ وطنه ويطّلع على سيرة رجالاته في الكتب التي بين يديه، فإن جزءا مهما من تاريخ الوطن سوف يختفي، ولا يعود له أثر في ذاكرة هذا الجيل والأجيال المتعاقبة من أبناء الوطن.
نتمنى في الذكرى الثامنة والثلاثين لقيام الاتحاد، أن يحفظ الله الوطن من شرور الطامعين ومكائد الحاقدين، الذين يحملون لأبنائه شرا ويضمرون لهم حقدا ولا يتمنون لهم خيرا. أمنيات كثيرة يضيق المجال عن حصرها، دافعها حب هذا الوطن الذي يحتفل عاما بعد عام بمنجزه الأول.
وهو الاتحاد الذي جمع قلوب أبنائه وأزال الحدود بين أرجائه، وأعلى شأنه بين الأمم والشعوب ورفع رايته أمنيات نأمل أن نراها تتحقق، لتزيد صورة هذا الوطن بهاءً ما زال يتجدد كلما أطلّت المناسبة ونشرت عبيرها في ربوع الوطن، أمنيات ليس من الصعب تحقيقها على أبناء من صنعوا هذا الاتحاد وغرسوا بذرته ورعوا نبتته، حتى غدت شجرة وارفة يستظل بها الجميع وينعمون بخيرها.
أمنيات نرسلها في يوم الوطن المجيد الذي سوف يبقى محفورا في الذاكرة، لأنه يوم تحقيق الأمنية الكبرى (دولة الإمارات العربية المتحدة)، التي تحتفل هذه الأيام بيوم تأسيسها وتجدد ذكرى تَوحُّدِ أغلى وطن.





