نعمت بدوي: عندما أرسم أشعر كأن الأرض اجتاحها انقلاب جيولوجي
الاهتمام بتفاصيل المشهد المفتوح على احتمالات “التأويل” المختلفة، مدهش في استنطاق شخوصه التشكيلية التي تبدو وكأنها بقع لونية تقفز في الزحام، يعتبر الفنان بدوي كل لوحة من لوحاته مرحلة بدأها متأثراً باتجاه ما وأنهاها مؤثراً ومتنقلاً إلى اتجاه آخر وهذا ما دفع أحد النقاد الفرنسيين إلى القول “هناك أكثر من نعمت بدوي” وهذا القول يلخص تعدد شخصياته الفنية وتجاوزه للمراحل . حول اختياره للريشة والألوان وسيلة للتعبير عن ذاته يقول الفنان نعمت بدوي:
في بدايات تجربتي لم يكن المجال متاحاً لغير القلم والورق ولغير الريشة والألوان، بيت العائلة كان صغيراً ولا مجال للنحت، مثلاً كنت أنحت قوالب صابون الغار الذي امتازت به حلب وأهوى التصوير الفوتوغرافي لكنه كان بالنسبة لي مكلفاً جداً وكنت أحلم بأن أصور فيلماً أكتب قصته وحواره ومنذ بدأت أرسم بدأت أكتب وفي ذهني مشروع طباعة ما أكتبه قريباً جداً، الفنان في هذا العصر أكثر من أي عصر مضى يجب أن يكون متعدد الصفات، عالم وأديب ورياضي ومخترع ومخرج وممثل فالتخصص لا يعيق التعدد بل يقود إليه.
* كيف تعيش لحظة ولادة اللوحة وهل يسبق تصور الشكل الفني الفكرة أم العكس؟
لحظة ولادة اللوحة تعيشني وأنا أعيشها، بمقدار ما أنا منها هي مني أشعر وكأنني الأرض وقد اجتاحها انقلاب جيولوجي جديد، فاختفت قارات وظهرت قارات، وأحس كأنني العدم يظهر من جديد أحياناً تسبق الفكرة الشكل وأحياناً يأتيان معاً، لكل لوحة حالة ولكل حالة لوحة، فالفنان آلة بشرية .
* تطغى على عوالمك التشكيلية الألوان الحارة، فهل لهذا علاقة بطبيعتك وتركيبك السيكولوجي أم الفكرة هي التي تفرض شكل تجسيدها الفني؟
تصنيف الألوان إلى حارة وباردة، تصنيف اعتباري غير علمي، أظن أن الأدب فرضه على الفن التشكيلي، الأبيض مثلاً يعتبرونه بارداً لأنه لون الثلج في حين أن إشعاعات بعض المعادن المشعة بيضاء وهي حارقة بل صاهرة ومذيبة، والأحمر مثلاً يعتبرونه حاراً لأنه في عرفهم لون النار في حين أن الياقوت أحمر وهو بارد ثم إن النار قد تكون زرقاء أو صفراء أو . . .
اللون في رأيي حيادي، وأثره يأتي من تفاعله مع ذاته ومع غيره، وطبيعتي أنا حيادية، تميل إلى هذا وذاك بحسب تفاعلي مع الآخرين وتفاعل الآخرين معي، ونتيجة هذا التفاعل تفقدني حياديتي وتخلف لدي الأثر الذي يظهر عفوياً وتلقائياً مرة، قصدياً مرة أخرى في ما أرسمه، المهم باعتقادي التفاعل وبالتفاعل .
* ما مدى تأثير البيئة الحلبية بخصوصيتها المكانية والاجتماعية على تجربتك التشكيلية؟
أنا ابن حي الجابرية أولاً وحلبي ثانياً وسوري ثالثاً وعربي رابعاً وأنا ابن كوكب الأرض أولاً وأخيراً وكل ما ذكرت أثر فيَّ وأعطاني الكثير، فما أعطتني الجابرية البساطة والإلفة والثقة، ومما أعطتني حلب: العراقة ومما أعطتني سوريا السماحة وعدم التعصب ومما أعطتني العروبة الأريحية، ومما وأعطاني كوكب الأرض: الإيمان بأن الأنانية الإيجابية ضرورية ونافعة في أحيان كثيرة وبأن الغيرية السلبية مؤذية ومرفوضة، أما على الصعيد الفني فحدث ولا حرج فحلب قد منحتني كل خبرتها الطويلة في الفنون وكل أساليبها في التعبير والتشكيل .
* ماذا عن تجربتك في توظيف الأسطورة “السورية” تحديداً وما الذي قدمته لك هذه التجربة في ما يخص الشكل والفكرة؟
نحن شعب صاحب حضارة ما زال أغلبها مطموراً والأساطير بالنسبة لي لوحة مطموسة أعمل على كشفها وإتمام نواقصها، والإضافة إليها، هكذا ترى أنني لا آخذ من الأسطورة بل أعطيها أساطير تعيش فينا، وقبل أن نطلع عليها كنا قد ألفناها وصورناها في أخيلتنا، كنا قد سمعناها من عجائزنا وشيوخنا، إنها حرية الفكر الخلاَّق وحرية الخيال المطلق وحرية التعبير المنطلق من الواقع الموجود إلى المستحيل الكائن بالفن .
* قريباً من الأسطورة وبعيداً عنها في آن معاً تشغل المرأة حيزاً واسعاً في تجربتك اللونية ولكنها امرأة من نوع خاص إنها امرأة الحلم والجسد والذاكرة فكيف كبر حضور المرأة بهذه الصورة؟
لا عجب أن تشغل المرأة حيزاً واسعاً في تجربتي اللونية وفي تجربتي الحياتية، فالمرأة عندي هي الحلم والواقع والجسد والروح والذاكرة، ومشاريع المستقبل ولا حاجة لأي تبرير فهي غاية الوجود، وخصوصية المرأة أفهمها من خلال طبيعتها، وبعض النساء تجعل المشاعر والأفكار تصب في مجرى الحواس يعني غايتها المظاهر والمتع الحسية، وبعضها الآخر يستخدم الحواس لإثارة المشاعر والأفكار والمرأة من هذا النوع الباطني القائم على الحسي تشبه في نظري الفنان التشكيلي الحقيقي .