أنواع تعلق الروح بالبدن .. خمسة!
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح:
الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام :
أحدها تعلقها به في بطن الأم جنينا .
الثاني تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض .
الثالث تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه .
الرابع تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة فقد ورد ردّها إليه وقت سلام المسلِّم، وورد : أنه يسمع خفق نعالهم حين يتولون عنه، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة .
الخامس تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ ( هو ) تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا .
… وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ فإن النوم شقيق الموت فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت له حال متوسطة بين الحي وبين الميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة .
قلت: صدق رحمه الله ونصح! بمعرفة هذا التقسيم البديع تزول إشكالات كثيرة وتجد جوابا للعديد من الأسئلة والشبهات التي تلوكها الألسنة بين الحين والآخر كمثل:
كيف يحيا الأنبياء والشهداء في قبورهم ؟ هل هي كالحياة الدنيوية المعروفة ؟!!
هل يجلس الميت في قبره حقيقة ويسأل ويجيب ؟!!
كيف تُرد روح النبي عليه الصلاة والسلام إليه عندما نسلم عليه؟
كيف يُعقل أن الكائنات الحية لن تموت يوم القيامة ؟
وغيرها ..
فإن اختلاف تعلق الروح بالبدن – وفق التقسيم السابق – يجعلها تخضع لقوانين ونواميس مختلفة عن كل مرحلة ولا يمكن قياسها على غيرها .. فلا يمكن قياس أحوال الروح في الحياة البرزخية على أحوالها في الحياة الدنيا لاختلاف النواميس التي تخضع لها في كلا الحياتين.
وسيأتي الرد التفصيلي على هذه الشبهات من كلام علماء السنة لكني أحببت أن أؤصل للموضوع هنا لمناسبته للمقام ..
مفهوم الموت في الحضارات الإنسانية
تتفق جميع الحضارات الإنسانية بما فيها الفرعونية المصرية القديمة ، والبابلية، والآشورية والصينية والزرداشتية ،والهندية ،واليونانية، والأديان السماوية الثلاثة : اليهودية ،والنصرانية ،والإسلام ، في أن الموت هو مفارقة الروح للجسد . ثم تختلف الحضارات والأديان بعد ذلك اختلافات شتى في هذه الروح .. وهل تعود إلى هذا الجسد أم تعود إلى جسد أخر كما تختلف في كيفية خروجها وخلوصها من هذا البدن ويعتقد البوذيون و الهنادكة والشنتو على سبيل المثال أن الروح تظل حبيسة في الجسد وبالذات في الجمجمة عند الموت وأنها لا تنطلق إلا بعد حرق الجثة وانفجار الجمجمة ولذا تراهم يحرقون جثث موتاهم كما شاهدنا ذلك في احتفالات وفاة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند، ثم أن الهنادكة والبوذيين يعتقدون بتناسخ الأرواح ، وأن الروح الشريرة تعاد في جسد حقير مثل الكلب والخنزير ،وتظل في تلك الدورات حتى تتطهر وأن الروح الصالحة الخيرة تظل تنتقل في الأجساد الخيرة حتى تصل مرحلة النرفانا وهي السعادة الأبدية المطلقة في الروح المتصلة بالأبد والأزل كما يزعمون.
ولا يهمني هنا هو أن أنحى المنحى التاريخي التفصيلي لمفهوم الروح لدى الحضارات الانسانية لكني أردت أنقل اجماعهم رغم اختلافهم وتنوعهم على وجود الروح وهذا يظهر من ملاحمهم وأشعارهم وأساطيرهم.
بل وجد في المجتمعات البدائية من يقوم بدفن ألوان الطعام وسائر الحاجات حتى لا يعود الميت من جديد فيصب عليه لعنته، بل كان أحياناً يترك للميت الدار التي جاءه فيها الموت وينتقل هو إلى دار أخرى، وفي بعض البلدان كان الإنسان البدائي يُخرج الجثة من الدار من خلال ثقب في الحائط ثم يدور بها حول الدار ثلاث دورات سريعة لكي تنسى الروح أين المدخل إلى تلك الدار فلا تعاودها أبداً.. وهذا يتناسب ولا شك مع الدليل الفطري الذي يعتبره العلماء أقوى الأدلة.
وهكذا نرى أن إنكار الروح أمر طارئ على البشرية واستثناء دخيل على الحضارات الانسانية فلم يخالف في هذا إلا شرذمة في آخر الزمان ونزر لا يعتد برأيهم إذا ما قورن بإجماع الأمم.






رد مع اقتباس