صدق أو لا تصدق
"داروين" و "فرويد"
يعترفان - من حيث لا يشعران !
بوجود الروح وأصالتها
إنّ مسألة أصالة الروح تنبئ عن ما وراء الطبيعة، فإنّ الحياة لو كانت أثراً من آثار المادة لما كانت تنبئ عن ما وراء الطبيعة، لأنّها تكون عندئذ موجوداً كامناً في المادة وحصورة فيها لا تتجاوزها في حالتي الانفراد والتركيب، وكان من اللازم أن لا بوجد شيء جديد عند تحقق الحياة، وحينئذ لا يتحقق للمادة أي كمال.
ولقد أشار الكثير من العلماء إلى أصالة الروح، وصرحوا بأنّ الروح قوّة منفصلة، وأنّ آثار الحياة معلولة لهذه القوة، وهذه الحقيقة تساندها الدراسات العلمية الجديدة، لا سيّما نظرية تكامل الأنواع فقد أثبتت وأيدت أصالة الروح أكثر من ذي قبل، وإن داروين موجد هذه النظرية وبطلها لم يكن في صدد إثبات أصالة الروح، بل إنّه كان يرفع خطوته الأولى إلى اختيار الطبيعة، وأنّ الانتخاب الطبيعي نتيجة لتغييرات تحدث بالصدفة ليس لها أي هدف، ولكنه لما لاحظ السير المنظم في تكامل الأنواع رأي لا محالة كما يقول هو نفسه: أنّ الطبيعة الحية تتمتع بشخصية. على أنّ داروين لم يكن بصدد إثبات أصالة الروح، ولكنه وصل إلى هذه النتيجة من حيث لا يشعر حتى، قيل له: إنّك تتكلم عن الاختيار الطبيعي كقوة نشطة من وراء الطبيعة.!!!
والملفت للنظر إنّ الذين يدرسون علم النفس وصلوا إلى نفس النتيجة، بالرغم من أنّهم لم يقصدوا الوصول إلى أصالة الروح، ولا كانوا ملفتين إلى النتائج التي تترتب على دراساتهم الفلسفية.
إنّ (فرويد) العالم الفيزيولوجي الذي حقق تحولاً تاريخياً في هذا العلم وصل في مطالعاته ودراساته إلى هذه النتيجة حيث يقول: إنّ دراسات علماء الفيزيولوجي وتشريحهم عن الأدمغة الإنسانية والتحقيق في الأسرار الكامنة فيها لا تكفي للأمراض العصبية، وأنّه توصل إلى جهاز مخفي للشعور، وأنّ الشعور الظاهري لضئيل جداً بالنسبة إلى هذا الشعور الباطني، وأنّه التفت إلى أنّ العلل النفسية التي تنشأ من العقد النفسية متأصلة وهي منشأ للأمراض الجسمية، فلا بد لمعالجة الأمراض أن تختار الطرق النفسية لحل العقد حتى تدفع العوارض الجسمانية.
فلم يكن (فرويد) يريد أن يثبت أصالة الروح وحكومة الروح على المادة، ولكنه حينما وصل إلى الحقائق العلمية اللائقة بمقامه قام باستنتاجات فلسفية غير لائقة بمقامه، ومع ذلك فإن قيمة الدراسات التي قام بها "فرويد" على حالها، كما أنّ بعض تلاميذه أمثال "يونك" انتقد استنتاجاته هذه من وجهة نظر علم النفس، وأثبت إلى حدٍّ مّا أصالة الروح، وأعطى نظرية "فرويد" صبغة ما وراء الطبيعة.
يتبع ....






رد مع اقتباس