تمايز الأرواح بعد مفارقتها للبدن

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في المسألة الخامسة من كتابه " الروح ":

وهي أن الأرواح بعد مفارقة الأبدان إذا تجردت، بأى شيء يتميز بعضها من بعض حتى تتعارف وتتلاقى وهل تتشكل إذا تجردت بشكل بدنها الذي كانت فيه وتلبس صورته أم كيف يكون حالها ؟!

هذه مسألة لا تكاد تجد من تكلم فيها ولا يظفر فيها من كتب الناس بطائل ولا غير طائل ولا سيما على أصول من يقول بأنها مجردة عن المادة وعلائقها وليست بداخل العالم ولا خارجه ولا لها شكل ولا قدر ولا شخص فهذا السؤال على أصولهم مما لا جواب لهم عنه وكذلك من يقول هي عرض من أعراض البدن فتميزها عن غيرها مشروط بقيامها ببدنها فلا تميز لها بعد الموت بل لا وجود لها على أصولهم بل تعدم وتبطل بإضمحلال البدن كما تبطل سائر صفات الحى ولا يمكن جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة التي تظاهرت عليها أدلة القرآن والسنة والآثار والاعتبار والعقل والقول أنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن وعلى هذا أكثر من مائة دليل قد ذكرناها في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس وبينا بطلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة وإن من قال غيره لم يعرف نفسه.

ثم قال رحمه الله:

وقال تعالى " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها " فأخبر أنه سوى النفس كما أخبر أنه سوى البدن في قوله " الذي خلقك فسواك فعدلك " فهو سبحانه سوى نفس الإنسان كما سوى بدنه بل سوى بدنه كالقالب لنفسه فتسوية البدن تابع لتسوية النفس والبدن موضوع لها كالقالب لما هو موضوع له.

ومن ها هنا يعلم أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها فإنها تتأثر وتنتقل عن البدن كما يتأثر البدن وينتقل عنها فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه فأشد الأشياء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أحدهما بالآخر الروح والبدن ولهذا يقال لها عند المفارقة : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب النفس واخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث.

ثم ساق رحمه الله الآيات والأحاديث التي تصف أرواح المؤمنين وأحوالها وأرواح الكفار وأهوالها مما هو مشتهر بين الناس، ثم قال رحمه الله:

وإذا كان هذا شأن الأرواح فتميزها بعد المفارقة يكون أظهر من تميز الأبدان والاشتباه بينها أبعد من اشتباه الأبدان فإن الأبدان تشتبه كثيرا وأما الأرواح فقل ما تشتبه.

يوضح هذا أنا لم نشاهد أبدان الأنبياء والصحابة والأئمة وهم متميزون في علمنا أظهر تميز وليس ذلك التميز راجعا إلى مجرد أبدانهم وإن ذكر لنا من صفات أبدانهم ما يختص به أحدهم من الآخر بل التميز الذي عندنا بما علمناه وعرفناه من صفات أرواحهم وما قام بها وتميز الروح عن الروح بصفاتها أعظم من تميز البدن عن البدن بصفاته ألا ترى أن بدن المؤمن والكافر قد يشتبهان كثيرا وبين روحيهما أعظم التباين والتميز وأنت ترى أخوين شقيقين مشتبهين في الخلقة غاية الاشتباه وبين روحيهما غاية التباين فإذا تجردت هاتان الروحان كان تميزهما في غاية الظهور.

وأخبرك بأمر: إذا تأملت أحوال الأنفس والأبدان شاهدته عيانا قل أن ترى بدنا قبيحا وشكلا شنيعا إلا وجدته مركبا على نفس تشاكله وتناسبه وقل أن ترى آفة في بدن إلا وفي روح صاحبه آفة تناسبها ولهذا تأخذ أصحاب الفراسة أحوال النفوس من أشكال الأبدان وأحوالها فقل أن تخطئ ذلك، ويحكى عن الشافعي رحمه الله في ذلك عجائب.

وقل أن ترى شكلا حسنا وصورة جميلة وتركيبا لطيفا إلا وجدت الروح المتعلقة به مناسبة له هذا ما لم يعارض ذلك ما يوجب خلافه من تعلم وتدرب واعتياد وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميزا بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم وكذلك الجن فتميز الأرواح البشرية أولى.

يتبع ...
__________________