ابن الرومي
العصــر العباســـــي
221 - 283 هـ / 836 - 896 م
علي بن العباس بن جريج أو جورجيس، الرومي.
شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي، رومي الأصل، كان جده من موالي بني العباس.
ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً قيل: دس له السمَّ القاسم بن عبيد الله -وزير المعتضد- وكان ابن الرومي قد هجاه.
قال المرزباني: لا أعلم أنه مدح أحداً من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه، ولذلك قلّت فائدته من قول الشعر وتحاماه الرؤساء وكان سبباً لوفاته.
وقال أيضاً: وأخطأ محمد بن داود فيما رواه لمثقال (الوسطي) من أشعار ابن الرومي التي ليس في طاقة مثقال ولا أحد من شعراء زمانه أن يقول مثلها إلا ابن الرومي.
قصيدة (كفـى بالشيـب )
كفـى بالشيـب من نـاهٍ مطـاعِ
علـى كَـرهٍ ومن داع مـجـاب
حططت إلى النهى رحلـي وكلَّـت
مطيَّـة باطلــي بعـد الهبــاب
وقلـتُ مسلِّمـاً للسيـب : أهـلاً
بـهادي المخطئيـن إلى الصـواب
ألسـت مبشِّـري فـي كل يـوم
بوشـك ترحّلـي إثـر الشّبـاب
لقـد بشَّرتنـي بلحـاق مـاض
أحـبَّ إليَّ مـن بـرد الشَّـراب
فلسـت مسمِّيـاً بشـراك نعْيـاً
وإن أوعدت نفسـي بالذهــاب
لك البشرى وما بشـراك عنـدي
سـوى ترقيع وهيـك بالخطـاب
وأنت وإن فتكت بـحبِّ نفسـي
وصاحب لذَّتـي دون الصِّحـاب
فقد أعتبتنـي ، وأمـتَّ حقـدي
بِحَثِّـك خلفـهُ عَجِـلاً رِكابـي
إذا الـحقتنـي بشقيـق عيشتـي
فقـد وفَّيتنـي فيـه ثـوابــي
وحسبـي من ثوابـي فيـه أنـي
وإيَّـاه نـثـوب إلـى مــآب
لعمـرك ما الحيـاة لكـل حـيٍّ
إذا فقدت الشبـاب سوى عـذاب
فقـل لبنـات دهـري فلتُصِبنـي
إذا ولَّـى ، بـأسهمـها الصُّيَّـاب
سقـى عهـدَ الشبيبـة كلَّ غيـثٍ
أغـرَّ مُجَلجَـلٍ دانـي الـرَّبـاب
ليالـي لـم أقـل : سقـياً لعهـد
ولـم أرغـب إلى سُقـيا سحـاب
قصيدة (عـدوّك مـن صديقـك)
عـدوّك مـن صديقـك مستفــاد
فـلا تستكثـرن مـن الصحــابِ
فـإن الـداء أكـثـر مـا تــراهُ
يكـون مـن الطعـام أو الشـرابِ
إذا انقلـب الصـديق غـدا عـدوّاً
مُبينـاً ، والامـور إلـى إنـقـلابِ
ولو كان الكثيـر يَطيـب ، كانـت
مصاحبـة الكثيـر مـن الصــوابِ
ولـكـن قلَّمـا اسـتكثــرت إلاَّ
سقطـت على ذئـاب فـي ثيـابِ
فـدع عنـك الكثيـر فكـم كثيـرٍ
يُعـاف وكـم قليـلٌ مستطــابِ
ومـا اللحـج المِـلاح بـمُرويـاتٍ
وتلقـى الـريّ في النُّطَـف العـذابِ
( أبا الصقر )
أبا الصقر : حسبُ المادحيك إذا غلوا
أشدّ غلوٍ أن يقولـوا : أبا الصقـر
ملأْت يدي جدوى وقلبـي مـودة
تدفقتا فِي المَحتدِيـن وفِي الصـدر
أنلـت نـوالاً لو سـواك أنـالـهُ
لآيَسنـي مـن عـودةٍ آخرالدهـر
لأنك أعطيـت الجزيـل ، وإنـما
يُرجِّي المرجِّي عودةَ النائِـل النـزر
ولكنك المرء الذي لـم تـزل لـهُ
عوائد بالمعـروف والنائـل الغمـر
تُنيل الـذي لـولاك أعيـا منالُـهُ
وتُعطي التي تُعطي الأمان من الفقـر
فـلا يحسـد الحسّـادُ أنّ سحابـةً
أظلَّتْ بـها كفاك مقلعـةُ القَطـر
ولو أنّ يومـاً منك يمنـع من غـدٍ
وإن كان ما أعطيت فِي اليوم ذا قدر
نـوالُك كالسيـل المُسهّـل بعضُـهُ
لبعض طريق الجري فِي السهل والوعر
إذا حلّ قطـعٌ منـه بالأرض برْكـهُ
تديَّـث مـجـراه لآخَـرَ كالبحـر
قال يرثي ابنه:
بكاؤكما يَشفي وإن كان لا يُجدي
فجودا فقد أودى نظيرُكُما عندي
بُنيَّ الذي أهدَتهُ كفّاي للثرى
فيا عزة المُهدَى ويا حسرة المَهدي
ألا قاتل الله المنايا ورَميَها
من القوم حبّاتِ القلوب على عَمد
توخَّى حِمام الموت أوسط صبيتي
فللّه كيف اختار واسطة العِقد؟
على حينَ شِمتُ الخير من لمحاتِهِ
وآنستُ من أفعاله آية الرشد
طواه الردى عني فَأضحى مزاره
بعيداً على قربٍ قريباً على بعد
لقد أنجَزَت فيه المنايا وعيدَها
وأخلَفَتِ الآمال ما كان من وعد
لقد قلّ بين المهد والحد لُبثُهُ
فلم يَنسَ عهدَ المهد إذ ضُمّ في اللحد
تَنَغَّص قبل الرِّيُّ ماءُ حياتِهِ
وفُجِّع منه بالعذوبة والبرد
ألحَّ عليه النزف حتى أحالَهُ
إلى صفرة الجاديِّ عن حمرة الورد
وظلَّ على الأيدي تَساقَطُ نَفسُهُ
ويذوي كما يذوي القضيب من الرّند
فيالكِ من نفسٍ تَساقَطُ أنفساً
تَساقُطَ درٌّ من نظامٍِ بلا عِقدِ
عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطر له
ولو أنه أقسى من الحجر الصَّلد
بودِّي أني كنت قُدِّمتُ قبلَهُ
وأنّ المنايا دونه صَمدَت صَمدي
ولكنّ ربي شاء غير مشيئتي
وللرب إمضاءُ المشيئة لا العبد
وما سرَّني أن بعتُه بثوابِهِ
ولو أنه التخليد في جنة الخلد
ولا بعتُهُ طوعاً ولكن غُصِبتُهُ
وليس على ظلم الحوادث من مُعدي
وإني وإن مُتِّعتُ بابنيَّ بعده
لَذاكِرُهُ ما حنّتِ النِّيَبُ في نجد
وأولادنا مثل الجوارح أيها
فقدناه كان الفاجعَ البَيِّنَ الفَقد
لكلٌّ مكانٌ لا يَسُدُّ اختلالَهُ
مكانُ أخيه في جَزوعٍ ولا جَلد
هل العينُ بعد السمع تكفي مكانَهُ
أم السمعُ بعد العين يهدي كما تَهدي؟
لعمري: لقد حالت بيَ الحالُ بعده
فياليت شعري كيف حالت به بَعدي؟
ثكِلتُ سروري كلّه إذ ثَكلتٍه
وأصبحتُ في لذات عيشي أخا زهد
أريحانةَ العينين والأنف والحشا:
ألا ليت شعري هل تغيرتَ عن عهدي
سأسقيك ماء العين ما أسعَدَت به
وإن كانت السُّقيا من الدمع لا تُجدي
أعينيَّ جودا لي فقدا جُدتُ للثّرى
بأنفَسَ مما تُسألان من الرِّفد
أعينيَّ: إن لا تُسعداني أَلُمكُما
وإن تُسعداني اليوم تستوجبا حمدي
عذرتُكُما لو تُشغَلان عن البكا
بنومٍ، وما نوم الشجيّ أخي الجهد؟!
أقُرَّة عيني: قد أطلْتَ بُكاءها
وغادَرتَها أقذى من الأعين الرُّمد
أقرة عيني: لو فدى الحيُّ ميِّتاً
فديتُكَ بالحوباء أوّلَ من يَفدي
كأنيَ ما استمتعتُ منك بنظرةٍ
ولا قُبلةٌ أحلى مذاقاً من الشّهد
كأنيَ ما استمتعتُ منك بضمَّةٍ
ولا شمّةٍ في ملعبٍ لك أو مَهد
أُلام لما أُبدي عليك من الأسى
وإني لأُخفي منه أضعاف ما أُبدي
محمّدُ: ما شيء تُوُهِّمِ سَلوةً
لقلبيَ إلا زاد قلبي من الوَجد
أرى أخَوَيكَ الباقيينِ فإنما
يكونان للأحزان أورى من الزند
إذا لعبا في ملعبٍ لك لذّعا
فؤادي بمثل النار عن غير ما قصد
فما فيهما لي سَلوةٌ بل حزازةٌ
يَهيجانِها دوني وأشقى بها وحدي
وأنتَ وإن أُفردتَ في دار وحشةٍ
فإني بدار الأُنس في وحشة الفرد
أودُّ إذا ما الموتُ أوفَدَ معشراً
إلى عسكر الأموات أني من الوفد
ومَن كان يستهدي حبيباً هديةً
فطيفُ خيالٍ منك في النوم أستهدي
عليك سلام الله مني تحيةً
ومن كل غيثٍ صادق البرق والرعد





رد مع اقتباس